خرج رئيس الحكومة نواف سلام من مجلس النواب حاملاً 68 صوتاً، لكنه لم يخرج بثقة سياسية حقيقية. فالرقم الذي أنقذ حكومته لم يكن ثمرة نجاح أو إنجاز، بل حصيلة تقاطع مصالح بين قوى تختلف على كل شيء، ثم اجتمعت عند لحظة الحسم على منع سقوط الحكومة وتعويم رئيسها.
انسحب نواب “حزب الله” من القاعة قبل التصويت، وبقي نواب حركة “أمل” ليمنحوا الحكومة الثقة، فيما جاء طلب “التيار الوطني الحر” طرح الثقة بالحكومة ليمنح سلام جرعة إنقاذ إضافية. هكذا حصل رئيس الحكومة على أكثرية نيابية، لكنها أكثرية لا تتفق على أدائه ولا على سياساته ولا على الملفات التي يضعها في صدارة مشروعه.
إنها ثقة زائفة بالمعنى السياسي: حكومة عاجزة في الملفات الاقتصادية والمعيشية، لم توقف الاعتداءات الإسرائيلية، ولم تحمِ الجنوب، ولم تطلق مساراً إصلاحياً جدياً، خرجت من المجلس أقوى عددياً، من دون أن تقدم أمامه ما يبرر هذه القوة.
وما يزيد هذه الثقة زيفاً أن عدداً من الكتل والنواب لم يمنحوها لسلام عن اقتناع بأداء حكومته، بل نتيجة ضغوط مباشرة مارسها سفراء لمنع إسقاطها. وبذلك، لم تكن الأصوات الـ68 تعبيراً صادقاً عن ثقة مجلس النواب، بقدر ما كانت “ثقة السفراء” التي أرادها سلام وحصل عليها بأصوات النواب.
الأخطر أن سلام بات قادراً على استخدام هذه النتيجة للقول إن حكومته ومسارها السياسي، من المفاوضات إلى حصر السلاح، يحظيان بغطاء نيابي متجدد. إلا أن واقع التصويت يقول عكس ذلك، إذ إن القوى التي أبقت حكومته لا تلتقي على هذا المسار، بل تقاطعت فقط على رفض إسقاطها.
أما جبران باسيل، فلم يمنح سلام فرصة سياسية مجانية فحسب، بل وجّه صفعة مباشرة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون. ففي وقت كان رئيس الحكومة يعاني سياسياً، وتزداد حدة التباين داخل السلطة، أعاد باسيل تعويم سلام ومنحه ورقة يستطيع استخدامها لاستعادة زمام المبادرة والوقوف مجدداً في وجه رئيس الجمهورية.
وفي البيئة الشيعية، ترك انسحاب نواب “حزب الله” أثراً بالغاً. فقد اشتعلت المنصات بالانتقادات والتساؤلات، بعدما تابع الجمهور طوال يومين مواقف نيابية مرتفعة السقف ضد الحكومة، ولا سيما في ملفات الجنوب والسلاح والمفاوضات مع إسرائيل، قبل أن يغادر الحزب القاعة من دون حجب الثقة عنها.
السؤال كان واضحاً: إذا كانت الاعتراضات جوهرية إلى هذا الحد، فلماذا لم يصوّت الحزب ضد الحكومة؟ ولماذا تولت “أمل” إنقاذ حكومة تُتهم بالعجز عن حماية الجنوب، فيما اكتفى الحزب بالانسحاب؟
ما حصل سمح للحزب بعدم منح سلام الثقة، من دون تحمّل مسؤولية إسقاطه. وتولت “أمل” حماية الحكومة، فيما أمّن باسيل الغطاء المسيحي لتعزيز موقع رئيسها. وبذلك، توزعت الأدوار بين اعتراض في الخطاب، وإنقاذ في التصويت، وتعويم سياسي على حساب العهد.
نجا سلام، لكن حكومته لم تحصل على تفويض سياسي حقيقي. لقد حصدت رقماً نيابياً صنعته الحسابات المتناقضة، ثم حوّلته إلى انتصار. إنها ثقة زائفة أعادت تثبيت حكومة عاجزة، ومنحت رئيسها قوة لا تعكس أداءه، فيما بقي السؤال يلاحق الذين أنقذوه: كيف تحولت المعارضة الصاخبة إلى طوق نجاة عند لحظة القرار؟

