في خطوة تحمل رسالة سياسية مباشرة إلى بيروت في خضم المفاوضات الجارية، تستعد إسرائيل اليوم الخميس للإفراج عن 5 أسرى لبنانيين وإعادتهم إلى لبنان، بينهم، وفق تقارير عربية، كمال غازي الذي فُقد أثره قبل نحو عام في منطقة قريبة من جبل الشيخ، فيما يأتي القرار بعد لقاء بنيامين نتنياهو بالسفيرين الأميركيين في لبنان وإسرائيل، بالتوازي مع استمرار الخلافات حول آلية العمل في جنوب لبنان وشروط الانسحاب الإسرائيلي.
وبحسب تقرير للصحافيين إليشا بن كيمون وإيتمار آيخنر وليئور بن آري في موقع “واينت” الإسرائيلي، أكد مسؤول إسرائيلي، بعد تقارير نشرتها وسائل إعلام عربية، أن إسرائيل ستفرج اليوم عن الأسرى اللبنانيين الـ5، قائلًا إن “الأمر يتعلق ببادرة إسرائيلية تجاه الحكومة اللبنانية”.
وأضاف المسؤول أن “الموضوع نوقش هذا الأسبوع خلال لقاء نتنياهو مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى والسفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، الذي عقد في مكتب رئيس الحكومة في القدس”.
وأشار التقرير إلى أن إسرائيل سبق أن أفرجت عن أسرى لبنانيين في آذار 2025، في خطوة وصفت يومها أيضًا بأنها بادرة تجاه الحكومة اللبنانية.
ويأتي ذلك بعدما التقى نتنياهو في وقت سابق هذا الأسبوع السفير الأميركي في لبنان والسفير الأميركي في إسرائيل لبحث ملف المفاوضات.
لكن التقرير أشار إلى أنه، وعلى الرغم من بادرة الإفراج عن الأسرى، فإن الجيش الإسرائيلي لا يزال غير راضٍ عن “المشروع التجريبي” الجاري حاليًا في جنوب لبنان، إذ يعتبر أن الجيش اللبناني لا يحقق تقدمًا كافيًا في إزالة البنى العسكرية التابعة لحزب الله في القرى المشمولة بالمشروع.
ووفق التقرير، تواجه الآلية التي كان يفترض أن تقود إلى تهدئة الحدود الشمالية عوائق، بعدما كان الهدف من المشروع التجريبي في جنوب لبنان تمهيد الطريق لنزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، وتسليم زمام السيطرة إلى الجيش اللبناني، إلا أن التنفيذ لا يسير وفق التوقعات الإسرائيلية.
وترصد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بحسب التقرير، أن الجيش اللبناني يواجه صعوبات كبيرة ولا يتحرك وفق الأهداف المحددة له، إذ يمتنع جنوده، بسبب قيود قانونية، عن تنفيذ عمليات تفتيش داخل المنازل والبنى التابعة لحزب الله في القرى، مفضلين حصر نشاطهم بالأراضي المفتوحة والمساحات العامة.
ولا تقتصر العقبات على الوضع الميداني، إذ يرى التقرير أن أساس المشكلة يبقى سياسيًا، في ظل عدم التوصل حتى الآن إلى اتفاق بشأن الجهة التي ستتولى الإشراف على عمل الجيش اللبناني، والمعايير التي يتعين عليه الالتزام بها، والشروط الدقيقة التي سيطلب الجيش الإسرائيلي تحققها قبل البدء بالانسحاب.
وكان موقع “واينت” وصحيفة “يديعوت أحرونوت” قد كشفا قبل نحو شهرين عن اقتراح يقضي بتولي قوات من الجيش الإيطالي الإشراف على تنفيذ الخطة، إلا أن المشروع لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن.
ويرى التقرير الإسرائيلي أن هذا التعثر يحمل وجهين، إذ يمنح الجيش الإسرائيلي، من جهة، مساحة عمل يعتبرها ضرورية لاستكمال مهمته في مرتفعات علي الطاهر، حيث يوجد، وفق الرواية الإسرائيلية الواردة في التقرير، عشرات من عناصر حزب الله المحاصرين حاليًا.
كما يسمح هذا الوضع للقوات الإسرائيلية، بحسب التقرير، بتحسين نموذج انتشارها، وإنشاء بنى سيطرة أكثر تطورًا، ومواصلة عملياتها في المنطقة وإزالة البنى التي أنشأها حزب الله على مدى سنوات.
في المقابل، يثير البقاء الإسرائيلي لفترة طويلة في جنوب لبنان مخاوف مما وصفه التقرير بالعودة إلى الأيام الصعبة والدامية من الماضي.
وفي ما يتعلق بمرتفعات علي الطاهر، قال التقرير إن العمليات العسكرية هناك تتقدم بصورة جيدة من وجهة النظر الإسرائيلية، وإنها تثير توترًا كبيرًا داخل حزب الله، وهو ما ظهر، بحسب الرواية الإسرائيلية، خلال الليلة الماضية عندما أطلق الحزب مسيّرتين مفخختين باتجاه القوات العاملة في المنطقة.
وأشار التقرير إلى أن الحادثة انتهت من دون إصابات، بعدما جرى اعتراض إحدى المسيّرتين فيما سقطت الثانية.
كما استند التقرير إلى دراسة نشرها مركز “ألما” الإسرائيلي لأبحاث التحديات الأمنية في الشمال، قال فيها إن حزب الله يجري تغييرًا عميقًا في نمط عمله ليتلاءم مع الواقع الجديد.
ووفق الدراسة، فإنه بعد تلقي سيناريو التوغل إلى الجليل ضربة قوية وتدمير بنى مرتبطة بقوة الرضوان، تخلى الحزب عن خطط عملياتية واسعة، وانتقل إلى نمط عمل موزع يعتمد مجموعات صغيرة، بطريقة تشبه، بحسب المركز، النموذج القائم حاليًا في قطاع غزة.
وقال مسؤولون أمنيون إسرائيليون، وفق التقرير، إن حزب الله يواصل جمع معلومات استخبارية عن جنود الجيش الإسرائيلي، ودراسة أسلوب عملهم، ورسم خرائط لمواقعهم وتحديد طرق تحركهم، استعدادًا لاحتمال تجدد المواجهة بصيغة تعتمد التسلل والكمائن وإطلاق المسيّرات المفخخة وإنشاء مناطق مفخخة.
وفي محاولة لإخراج المشروع التجريبي من حالة التعثر، تعمل إسرائيل على ممارسة ضغط أميركي على الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، انطلاقًا من تقدير إسرائيلي بأن استكمال نشاط الجيش الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر، بالتوازي مع الاتصالات السياسية بوساطة الولايات المتحدة، سيدفع الأطراف في نهاية المطاف إلى التقدم نحو تشكيل قوة رقابة متفق عليها ووضع معايير واضحة.
وبذلك، يأتي الإفراج عن الأسرى الـ5 في توقيت تتحرك فيه المسارات السياسية والعسكرية جنبًا إلى جنب: بادرة إسرائيلية موجهة إلى الحكومة اللبنانية من جهة، ومفاوضات لا تزال معلقة على تفاصيل الانتشار والرقابة والانسحاب من جهة أخرى، فيما تبقى مرتفعات علي الطاهر إحدى أبرز نقاط الضغط الميداني على طاولة التفاوض.

