منطق حزب الله حالياً واضح: إذا بات القتال في علي الطاهر أمراً واقعاً وفُرضت عليّ المعركة، فسأقاتل. وبالوقائع، لا يبدو الحزب في وارد التخلي عن علي الطاهر سلمياً، ولا الانسحاب، ولا تسليمها إلى أي جهة كانت.
هذا القرار لا ينبع فقط من حسابات اللحظة الحالية، ولا من تقدير أهداف أي تقدم إسرائيلي محتمل وانعكاساته على مواقع وتلال ومناطق أخرى، بل يرتبط أيضاً بقراءة أوسع لوضع الإقليم. فعندما يكون الحزب وإيران و”المحور” في وضعية مواجهة وجودية، وعندما يخرج قادة إيرانيون – حلفاء الحزب – ويرفعون سقف مواقفهم إلى حدود الحديث عن مساعدة المقاتلين أو فتح خط للتواصل الدائم معهم على الجبهة الأمامية، يصبح من الصعب في مكانٍ ما تصور أن يذهب الحزب إلى نوع من الليونة الأقرب إلى الاستسلام!
عملياً، لم تعد علي الطاهر، بالنسبة إلى الحزب، مجرد مجموعة تلال أو موقع أو منشأة. المسألة باتت تحمل أبعاداً إقليمية، وربما دولية، وتحولت إلى اختبار للتوازن العسكري والسياسي الدقيق في المنطقة، وتقع بين شوطي انتخابات إسرائيلية – أميركية.
في الواقع، بنيامين نتنياهو أدخل نفسه ولبنان وإسرائيل في «مضيق علي الطاهر»، كما أدخل دونالد ترامب الولايات المتحدة والعالم في مضيق هرمز. قد يبدو التشبيه مبالغاً فيه، لكن لكلا «المضيقين» انعكاساته وتلازماته السياسية والأمنية. فالتسخين في هرمز ينعكس على المنطقة، وكذلك بات الأمر بالنسبة إلى علي الطاهر.
فإذا كان نتنياهو يريد تحويل علي الطاهر إلى معبر نحو الانتخابات، وتكبير «حجر» التلال لتعظيم حجم «الإنجاز»، فإن الحزب، في المقابل، يريد حشره في علي الطاهر وتحويلها من فرصة انتخابية إلى مأزق سياسي.
هنا بالضبط تكمن المفارقة. فخسارة الحزب لعلي الطاهر، أو غيرها من التلال المحيطة، لا تعني بالضرورة هزيمته أو سقوطه أو تفككه. أما بالنسبة إلى نتنياهو، فإن الذهاب إلى معركة رفع سقفها بنفسه ثم العجز عن تحقيق الهدف المعلن، يعني سقوطه انتخابياً ونهايته سياسياً. وهذا استنتاج إسرائيلي قبل أن يكون لبنانياً. وبهذا المعنى، ستكون الأثمان بالنسبة إلى نتنياهو أعلى، فيما ليس للحزب ما يخسره!
من التلال إلى طاولة التفاوض
عند هذه النقطة، خرجت علي الطاهر من حدودها الجغرافية وتحولت إلى نقطة جذب وتجاذب إقليمي. وهنا تحديداً تبدأ قصة «تسوية علي الطاهر» التي تحركت خلال الأيام الأخيرة، قبل أن تسقط في الساعات الماضية.
قبل أيام، اتضح وجود حراك سياسي، جانب منه أوروبي وآخر أميركي. والأهم كان المسار الأميركي، الذي استجر بدوره حراكاً لبنانياً رسمياً.
الفكرة التي قام عليها الحراك كانت بسيطة في ظاهرها: مفاوضة حزب الله على الانسحاب من علي الطاهر وتسليمها إلى الجيش اللبناني. وللعلم، فإن هذا الطرح مكرر وسبق أن بُعث به الحكم اللبناني قبل أسابيع قليلة.
لبنانياً، حمل وسيط أمني بارز جانباً من الأفكار، فيما تحرك من خلف الكواليس وسيط سياسي قريب من الحزب لا يحمل صفة رسمية، وتردد أن آخرين نقلوا أفكاراً مشابهة. وكان المطلوب استكشاف إمكانية الوصول إلى صيغة تحول دون انفجار معركة علي الطاهر. لكن اللافت أن جميع الأفكار جاءت على حساب الحزب.
في خضم ذلك، خرج السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى من دار الفتوى بعبارته التي سرعان ما تحولت إلى مادة سياسية أو توقيت نهائي لحسم الملف: “بهاليومين منشوف شو بصير بعلي الطاهر”.
لم يكن المقصود بـ«اليومين»، بالضرورة، مهلة حرفية. فعربية السفير لا تساعده دائماً في التعبير الدقيق، وقد يكون المقصود أياماً أو أكثر. لكن في بيروت، ثمة من قرأ العبارة على أنها إشارة إلى مهلة 48 ساعة مفترضة، يُنتظر خلالها سماع جواب الحزب على الطرح الأميركي المتعلق بعلي الطاهر، أي الإختيار بين “المخرج” السياسي أو الحل العسكري.
ومن هنا أيضاً أمكن فهم كلام السفير وخلفه الشرط الأميركي، من وراء سؤال ردده: ماذا سيعطي الحزب كي تبدأ المفاوضات؟
بالنسبة إلى عيسى وفريقه في بيروت، كانوا يبحثون عن صفقة سريعة مع الحزب، انسجاماً مع فكرة راودتهم، مفادها أن الحزب محشور ويريد التفاوض مباشرة! كذلك لا يبدو المطلوب محصوراً بعلي الطاهر وحدها. فالخطوة لأي تواصل مفترض، وفق هذه المقاربة، يفترض أن تبدأ بتسليم علي الطاهر، ثم تتحول إلى إقرار بمبدأ البدء بتسليم السلاح، سواء وفق المبادرة المصرية أو الأفكار البريطانية القائمة على استنساخ تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي أو خلافه.
جواب طهران… ثم الحزب
قبل أن تنقضي الساعات الـ48 المفترضة، أو «اليومان» الممدودان وفق تعبير السفير الأميركي، تتالت الردود. وفي الواقع، يمكن تسجيل ردين أساسيين.
الأول إيراني، حيث جاء كلام الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي، لقناة “المنار”، بمثابة تثبيت الربط بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، من خلال تأكيد التزام إيران تجاه لبنان والمقاومة فيه، وأن طهران تراقب التطورات «بمنتهى الجدية»، وأن التزامها تجاه الحزب في لبنان قائم، فيما خطوطها الحمراء بالنسبة إلى بيروت والضاحية مفعّلة، في إشارة واضحة إلى “مبدأ إسلام آباد”.
سياسياً، يمكن تفسير كلام رضائي أن الارتباط على مستوى القرار بين الحزب وطهران، ومعهما ساحة لبنان، ما زال قائماً، وأن طهران منغمسة في الملف إلى حد “مراقبة التطورات”، وحيث يفترض أن يصدر أي قرار إيراني بموجبها. وهذا يفسر، منطقياً، لماذا لا تبدو طهران ولا الحزب مستعدين لفتح مسارات جانبية أو قنوات تفاوض موازية في هذه اللحظة، أو عملياً، لماذا لا يذهب الحزب إليها.
الموقف الثاني لبناني، وجاء على لسان الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، غروب الجمعة، حيث جدد انتقاده للمفاوضات المباشرة واتفاق الإطار، وأكد أن الحزب سيستمر في القتال ولن يستسلم.
لم يكن ضرورياً أن يقول قاسم بالاسم: «لن نسلّم علي الطاهر». فالرسالة السياسية، بالنسبة إلى الحزب، واضحة. عندما يقول إنه لن يستسلم، وإنه سيقاتل ولن يسلّم مواقعه، فإن علي الطاهر تقع حكماً ضمن هذه المعادلة.
سقوط التسوية
بعد هذه السلسلة من المواقف، بدأت معالم سقوط الطرح تتضح.
الحزب رفض تسليم مواقعه. ورفض إعطاء أي وسيط جواباً على الطرح، ورفض الإجابة على الرسائل. بل إنه، وفق المعطيات المتداولة، رفض فكرة الرد من أساسها.
لم يدم الأمر طويلاً حتى جاء موقف السفارة الأميركية في بيروت ليل السبت، في توقيت يصعب فصله عن انتهاء مهلة «اليومين» أو «الثلاثة» التي تحدث عنها السفير عيسى من دار الفتوى، وبعدما واصل الحزب تجاهله للعروض.
هنا بدأ التراجع الأميركي في بيروت يظهر على مرحلتين.
الأولى، عندما نفى السفير عيسى أن يكون قد حصل على ضوء أخضر للقاء ممثلين عن حزب الله، رغم أن أصل الكلام صدر عنه خلال «جلسة» ضمت أصدقاء، منهم إعلاميون. ولم يكن صعباً أن عيسى يحاول “سرقة الأضواء” من توم براك.
والثانية، والأوضح، جاءت في بيان السفارة الأميركية التي قالت إن «الوقت حان لحزب الله أن يفعل ما هو أفضل للبنان وشعبه»، وإن الحزب يستطيع التحدث مع الدولة اللبنانية عندما يعلن استعداده لتسليم سلاحه، مضيفة أن واشنطن يمكنها عندئذٍ «محاولة تقريب وجهات النظر».
معنى ذلك أن واشنطن انتقلت من موقع الداعي أو المبادر أو المستعد للتفاوض مع الحزب، إلى موقع الطرف الوسيط – المساعد للدولة اللبنانية، أو المراقب نوعاً ما، أو، لمَ لا، تصبح الدولة هي الطرف الذي يفاوض عن الأميركيين!
بقيت «الكرزة» التي تزيّن رأس الكعكة. صباح الأحد، خرج الشيخ نعيم قاسم مجدداً، بعد ساعات من بيان السفارة الأميركية في بيروت، وفي اللحظة التي تكون فيها محاولة فتح ثغرة تفاوضية حول علي الطاهر قد اصطدمت برفض الحزب، وبعد مواقف إيرانية رفعت مستوى الالتزام تجاهه، هذه المرة من خلال كلمة أمام المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية المنعقد في طهران، وشن هجوماً على الولايات المتحدة، متحدثاً عن “هزيمة المشروع الأميركي” الذي يعمل كي يكون سيداً على العالم، وأن أي تراجع أمامه سيؤدي إلى أن يبيدنا.
أبقيت الأسلوب والمعنى كما هما، وعدّلت فقط الأخطاء الإملائية والنحوية الواضحة وعلامات الترقيم.

