دخلت قضية مقتل الشاب جوزيف عنتر في قرطبا مرحلة قضائية جديدة، بعدما ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على طوني يوسف شرفان بجرائم القتل القصدي ومحاولة القتل وحمل سلاح حربي غير مرخص واستعماله، وأحال الملف إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر.
وكانت القضية قد أُحيطت، منذ لحظاتها الأولى، بروايات متعددة ومعلومات متناقضة بشأن بداية الإشكال، وهوية المشاركين فيه، وسبب وجود السلاح وكيفية انتقاله بين الموجودين. إلا أن التحقيقات الأولية رسمت تسلسلاً أكثر وضوحاً لحادث بدأ بخلاف بين صديقين، ومرّ بمحاولة مصالحة، وانتهى خلال ثوانٍ بمقتل جوزيف عنتر وإصابة شربل كرم وسامر المرعبي.
وبحسب الادعاء، أقدم طوني يوسف شرفان، وهو لبناني من مواليد العام 1998 ومن منطقة قرطبا في جبل لبنان، وبتاريخ لم يمر عليه الزمن، قصداً على إطلاق النار من سلاح حربي غير مرخص، ما أدى إلى مقتل جوزيف عنتر ومحاولة قتل كل من شربل كرم وسامر المرعبي.
واستند الادعاء إلى المادة 547 من قانون العقوبات، والمادة 547 معطوفة على المادة 201، إضافة إلى المادة 72 أسلحة. وبهذا التوصيف، وضعت النيابة العامة الحادث في إطار جرمي يتجاوز فرضية إطلاق النار العرضي خلال إشكال، وأسندت إلى شرفان جرمي القتل القصدي ومحاولة القتل، على أن يتولى التحقيق الاستنطاقي تحديد كيفية حصول إطلاق النار ومدى توافر عناصر الجرائم المدعى بها، في ضوء الإفادات والأدلة والمعطيات المادية والفنية.
وتعود بداية القصة إلى خلاف نشب بين جوزيف عنتر وسامر المرعبي بسبب فتاة تُدعى ك. أ.، رغم أن صداقة كانت تجمع الرجلين منذ نحو 5 سنوات. وتطوّر الخلاف إلى تهديدات متبادلة، ما دفع شربل كرم، بوصفه صديقاً مشتركاً للطرفين، إلى التدخل بهدف المصالحة بينهما.
وفي يوم الحادث، اتصل جوزيف عنتر بشربل كرم طالباً منه العمل على إنهاء الخلاف مع المرعبي. واتُّفق على عقد لقاء للمصالحة، قبل أن يتوجه جوزيف وشربل وسامر معاً على متن سيارة مرسيدس عائدة إلى كرم باتجاه قرطبا، حيث كان أنطوني عنتر، شقيق جوزيف، موجوداً.
وبعد قطع مسافة قصيرة، شاهد الثلاثة أنطوني عنتر برفقة شخص يُدعى رامي، وهما من أصدقائهم، وكان أنطوني يحمل بندقية كلاشينكوف. وعندما سألوه عن سبب حمل السلاح، أجاب بأن هناك إشكالاً، فلحقوا بهما حتى محيط مزار سان تريز، حيث أوضح أنطوني أن شقيقه جوزيف لديه مشكلة مع أحد الأشخاص.
وخلال تلك المرحلة، سمع صاحب إحدى الإفادات أنطوني يتلقى، أثناء اتصال هاتفي، كلاماً يفيد بأن أشخاصاً أصبحوا في مكان قريب، لكنه لم يتمكن لاحقاً من تذكّر كامل مضمون الحديث.
وبهدف منع تفاقم الوضع، جرى، بحسب الإفادة نفسها، أخذ البندقية من أنطوني ووضعها داخل السيارة، قبل أن يبتعد الموجودون مسافة تزيد على 50 متراً.
كانت الساعة تقارب الثالثة والنصف فجراً، والرؤية محدودة بسبب الظلام، عندما وصلت سيارة لم يتمكن صاحب الإفادة من تحديد أوصافها. وبعد لحظات قليلة، اندلع العراك وبدأ التضارب، لتتحول محاولة المصالحة إلى مواجهة مسلحة انتهت بمقتل شخص وإصابة اثنين آخرين.
هنا تبدأ رواية طوني شرفان للثواني التي سبقت إطلاق النار. فقد قال أمام المحققين إنه لم يكن يعرف الأشخاص الآخرين المشاركين في الإشكال، وإنه عندما اقترب من المكان شاهد شاباً طويل القامة يحمل أداة حادة ويضرب بها، فصرخ باتجاه الموجودين، قبل أن يهجم ذلك الشاب نحوه.
وبحسب شرفان، شعر بالخوف عندما شاهد الشاب يتقدم باتجاهه، فأطلق النار نحو الأرض، وكانت البندقية في وضعية إطلاق، قبل أن يسقط الشاب الطويل أرضاً.
وأكد شرفان أنه لم يدرك في تلك اللحظة أن الشخص الذي سقط هو جوزيف عنتر، بل عرف هويته عندما اقترب منه. وقال إنه رمى البندقية بعد ذلك وغادر المكان، قبل أن يسلّم نفسه في اليوم التالي.
وشدّد خلال التحقيق على أن إطلاق النار لم يكن مخططاً له، وأنه لم تكن لديه نية مسبقة لاستعمال السلاح، معتبراً أن ما حصل كان ردّة فعل ناتجة من الخوف الذي أصابه عندما هجم جوزيف باتجاهه.
كما أكد أنه لم يعرف، خلال تلك الثواني، أن الشخص المتقدم نحوه هو صديقه جوزيف، واعتبر أن جوزيف نفسه لم يكن قد تعرّف إليه في تلك اللحظة.
وتبقى هذه الرواية إفادة المدعى عليه ودفاعه عن نفسه، وليست نتيجة قضائية نهائية، ولا سيما أن النيابة العامة تبنّت توصيفاً أشد، وأسندت إليه القتل القصدي ومحاولة القتل. وستكون مسألة اتجاه إطلاق النار، وما إذا كان شرفان قد أطلق فعلاً نحو الأرض، من أبرز النقاط التي سيعمل التحقيق الاستنطاقي على حسمها.
ونفى شرفان وجود أي خلاف سابق بينه وبين أطراف المشكلة، مؤكداً أنه لا يعرف سامر المرعبي ولا يعلم بالخلاف الذي كان قائماً بينه وبين جوزيف عنتر.
وفي المقابل، كشف أن علاقة قديمة كانت تجمعه بالضحية، وقال إن جوزيف كان صديقه منذ الطفولة، إلا أن ظروف العمل أبعدتهما عن اللقاء المستمر. وأضاف أنه بقي على تواصل دائم مع شقيقه أنطوني عنتر، لكونهما متطوعين معاً في مركز الدفاع المدني في قرطبا.
وعندما سُئل شرفان عن هاتفه، أكد أنه لا يعرف مكانه وأن أحداً لم يعثر عليه، معتبراً أنه لو تم العثور عليه لكان أفراد عائلته قد أبلغوه بذلك.
كما واجهه المحققون بالادعاء المقدّم ضده من أنطوني عنتر، على خلفية إطلاق النار والتسبب بمقتل شقيقه. وردّ شرفان بأنه يستغرب ادعاء أنطوني عليه، معتبراً أن الأخير يعرف، وفق روايته، أنه لم يكن طرفاً في الخلاف الأساسي، وأنه حضر إلى المكان من أجل مساعدة أنطوني، وليس للمشاركة في الإشكال.
وكانت مفرزة جونية القضائية قد تولّت التحقيق في القضية، بناءً على إشارة المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي بلال بدر، بعدما تسلّمت من فصيلة قرطبا المحضر المنظّم بشأن الإشكال وإطلاق النار.
وأدى إطلاق النار إلى إصابة جوزيف جورج عنتر، مواليد العام 2001، سجل 23 جزين، قبل أن يفارق الحياة متأثراً بإصابته. كما أُصيب شربل كرم، مواليد العام 2002، مزرعة السيد، في كتفه الأيسر، فيما تعرّض سامر خالد المرعبي، مواليد العام 1997، سجل 23 عيون الغزال، لإصابة وُصفت بالخفيفة.
وبات الملف اليوم أمام روايات متقابلة تتطلب حسماً قضائياً، بدءاً من سبب وجود السلاح ومن كان يحمله وكيف انتقل بين الموجودين، وصولاً إلى كيفية حصول إطلاق النار، والمسافة التي فصلت بين مطلق النار والضحايا، واتجاه الرصاص وعدد الطلقات، واللحظة التي أُصيب فيها كل من جوزيف عنتر وشربل كرم وسامر المرعبي.
كذلك، سيكون على التحقيق تحديد ما إذا كانت الوقائع المادية والفنية تتطابق مع رواية شرفان بشأن إطلاق النار باتجاه الأرض، وإعادة رسم التسلسل الدقيق للأحداث منذ الخلاف الأول بين جوزيف عنتر وسامر المرعبي، مروراً بمحاولة المصالحة والتوجه فجراً إلى قرطبا، وصولاً إلى التجمع والاشتباك والثواني التي انتهت بمقتل جوزيف وإصابة شخصين آخرين.
وبعد انتهاء مرحلة التحقيقات الأولية، ادعى القاضي سامي صادر على طوني شرفان بالقتل القصدي ومحاولة القتل وجرم السلاح، وأحال الملف إلى القاضية ندى الأسمر.
ووفق المعلومات، ستباشر القاضية الأسمر التحقيقات والاستجوابات في منتصف الأسبوع المقبل، لتبدأ مرحلة جديدة توضع فيها الإفادات الأولية والتسريبات والروايات التي انتشرت عقب الجريمة أمام اختبار التحقيق القضائي الاستنطاقي والأدلة المادية والفنية، بهدف تحديد ما حصل فعلاً في تلك الدقائق القليلة من فجر قرطبا، وكيف تحوّل خلاف بين صديقين ومحاولة لإنهائه إلى رصاص أودى بحياة جوزيف عنتر.

