تبدو العلاقة بين بعبدا وحارة حريك اليوم عند أدقّ مراحلها، بعدما انتقلت الخلافات بين رئاسة الجمهورية وحزب الله من دائرة التباين السياسي إلى ما يشبه القطيعة على مستوى التواصل المباشر. وبحسب مصادر من الجانبين، لا لقاءات رسمية مباشرة تجمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بقيادة حزب الله، فيما أسهمت المفاوضات الجارية، بالتوازي مع استمرار العدوان على لبنان، في توسيع مساحة الخلاف بين الطرفين.
وتؤكد مصادر مطلعة على أجواء بعبدا أن العلاقة مع حزب الله مقطوعة على المستوى الرسمي، فيما تشير مصادر مطلعة على موقف الحزب بدورها إلى غياب التواصل المباشر مع رئيس الجمهورية، في ظل اعتراض الحزب على مسار التفاوض المباشر وما يعتبره تقديم تنازلات مجانية لإسرائيل.
ولم يعد الخلاف بين بعبدا وحارة حريك مجرد تباين في وجهات النظر حول إدارة المرحلة، بل بات يرتبط بجوهر مقاربة كل طرف لدور الدولة وحدود القرار السيادي. فالرئاسة تنطلق من أن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة اتخاذ القرارات السيادية والتفاوض باسم لبنان، فيما يتمسك حزب الله برفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، ويدفع باتجاه مفاوضات غير مباشرة تحفظ، وفق رؤيته، هامشاً أوسع للموقف اللبناني.
وفي هذا السياق، يعبّر الحزب، وفق المصادر، بصورة واضحة عن عتب على العهد والحكومة، محمّلاً إياهما مسؤولية تفويت فرصة وقف إطلاق النار التي أتاحتها مذكرة تفاهم إسلام آباد، ومعتبراً أن لبنان كان يمكنه الاستفادة من هذا المسار لوقف النزف في الجنوب، بدلاً من الدخول في مسار تفاوضي منفصل تتولاه الدولة اللبنانية.
وبالتالي، شكّل الموقف اللبناني الرسمي من مذكرة إسلام آباد، وفق المصادر، إحدى أبرز نقاط الخلاف في مقاربة الملف اللبناني، ولا سيما أن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية نصّت على وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، وعلى ضمان سيادة لبنان ووحدة أراضيه، مع إنشاء آلية مرتبطة بالملف اللبناني لمتابعة وقف العمليات العسكرية.
إلا أن بعبدا، في المقابل، تنطلق من مبدأ أساسي، وفق المصادر، مفاده أن أي تفاوض يتعلق بلبنان يجب أن يتم باسم الدولة اللبنانية ومن خلال مؤسساتها الدستورية، لا عبر مسارات إقليمية تُبرم تفاهمات حول الساحة اللبنانية من دون أن تكون الدولة طرفاً مباشراً فيها.
ومن هنا، لم يغيّر موقف الموفد الأميركي توم برّاك، الداعي إلى إشراك حزب الله في مسار التفاوض، من الصورة القائمة بين بعبدا وحارة حريك. فدوائر الرئاسة لا تبدو في وارد الدخول في سجال علني حول هذا الطرح، انطلاقاً من ثبات موقفها بأن الدولة اللبنانية هي التي تفاوض باسم نفسها، وأن أي مشاركة لحزب الله لا يمكن أن تكون على قاعدة وجود طرف تفاوضي موازٍ للدولة.
في المقابل، تعتبر مصادر مطلعة على أجواء الحزب، رغم عدم قناعتها بالموقف الأميركي وغياب الثقة به، أن مسار التفاوض الحالي مأزوم، إذ لا يمكن، برأيها، أن يمضي في ظل عزل شريحة كبيرة من اللبنانيين عنه. وترى أن كلام برّاك يشكّل، في هذا السياق، تعبيراً واضحاً عن المأزق الذي بلغه مسار التفاوض المباشر، بعدما بات إشراك مختلف الأطراف اللبنانية المعنية أمراً لا يمكن تجاوزه.
وبحسب المعطيات، لم تُسجّل حتى الآن أي مبادرة جدية من الطرفين لإعادة فتح قناة التواصل المباشر، حتى في ظل المستجدات والضغوط الأميركية المتصاعدة. ويبدو أن كلام برّاك لم يتحول إلى مدخل لاختراق جدار القطيعة، بل بقي في إطار طرح سياسي يعكس، في جانب منه، إدراكاً أميركياً لضرورة التعامل مع واقع حزب الله وحضوره المؤثر في المعادلة اللبنانية.
لكن بالنسبة إلى بعبدا، يبقى هناك فارق جوهري بين التعامل مع حزب الله كطرف سياسي لبناني أساسي وبين منحه موقعاً تفاوضياً مستقلاً عن الدولة. وهذا الفارق يشكّل أحد أبرز الخطوط الحمراء التي تتمسك بها الرئاسة في مقاربتها للمرحلة.
وفي المقابل، يرى حزب الله أن مسار التفاوض المباشر الذي انخرطت فيه الدولة اللبنانية لا يمكن فصله عن استمرار العمليات العسكرية، وأن أي تفاوض يجب أن يحافظ على عناصر القوة اللبنانية وألا يتحول إلى مسار لتقديم تنازلات من طرف واحد.
وبذلك، لا تبدو الأزمة بين بعبدا وحارة حريك محصورة بمن يشارك في التفاوض أو بأي آلية يتم ذلك، بل تتصل بسؤال أعمق يتعلق بمن يملك القرار اللبناني وكيفية ممارسة الدولة لسيادتها في مرحلة شديدة الحساسية.
لكن اللافت أن الحزب يتعامل مع رئاسة الحكومة بمرونة أكبر من تعامله مع الرئاسة الأولى، إذ لم تُسجّل قطيعة بين الطرفين حتى في أدق الظروف، انطلاقاً من كون حزب الله جزءاً من الحكومة من خلال وزرائه فيها، وهو ما أبقى قنوات التواصل مع السراي الحكومي مفتوحة، خلافاً للعلاقة مع بعبدا التي تبدو اليوم أكثر تعقيداً وحساسية.
وعليه، فإن المشهد الحالي يعكس مفارقة واضحة: قطيعة رسمية بين بعبدا وحارة حريك، مقابل استمرار التواصل مع السراي، فيما يبقى ملف التفاوض ومرجعية القرار السيادي في صلب الخلاف بين رئاسة الجمهورية وحزب الله.

