كتبت جويس الحويس في موقع Jnews Lebanon
تحوّل ملف السفير الإيراني السابق في بيروت، محمد رضا شيباني، بعد تسوية وضعه القانوني عبر المديرية العامة للأمن العام اللبناني، من أزمة كباش ديبلوماسي معقدة إلى نموذج للمناورة القانونية والسياسية المتبادلة بين بيروت وطهران. وتأتي هذه الخطوة لتطوي صفحة النزاع حول صفته الرسمية، معتمدةً حلاً يوازن بين تثبيت القرار السيادي اللبناني والإبقاء على حلقة وصل استراتيجية لإيران في العاصمة اللبنانية.
الإطار القانوني وإسقاط الحصانة الديبلوماسية
تستند الخطوة التي اتخذتها المديرية العامة للأمن العام إلى المرسوم الاشتراعي رقم 10188 الصادر عام 1962 والمتعلق بتنظيم دخول الأجانب إلى لبنان وإقامتهم فيه. وتحديداً بموجب المادة 21، مُنح شيباني إقامة مؤقتة لمدة ستة أشهر بصفتها إقامة أجنبي عادي بناءً على جواز سفر إيراني صالح، دون أن تمنحه هذه الإقامة أي صفة أو تمثيل ديبلوماسي.
ويترتب على هذا الإجراء الشكلي تحول حاسم في وضعه القانوني، حيث خرج كلياً من مظلة أحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية لعام 1961. وبات شيباني مجرداً من أي حصانة قضائية أو مدنية أو جزائية، كما أُلغيت عنه الحصانة المستندية وحق استخدام الحقيبة الديبلوماسية أو اللوحات الرسمية، ليعامل إجرائياً كأي مواطن أجنبي مقيم يخضع بالكامل للسيادة والقوانين اللبنانية.
الأبعاد الاستراتيجية لمسار التسوية
تُقرأ هذه الخطوة في الكواليس السياسية كصيغة احتواء وإدارة أزمة تجنبت الانفجار الديبلوماسي المباشر بين البلدين، وحققت مكاسب متوازنة للطرفين:
من جهة الدولة اللبنانية، نجحت وزارة الخارجية في تثبيت موقفها السيادي القاضي بعدم التراجع عن قرار اعتبار شيباني شخصاً غير مرغوب فيه ديبلوماسياً، ورفض تجديد اعتماده بصفته السابقة. وتمكنت بيروت من نقل الملف من خانة “التحدي الديبلوماسي” المباشر إلى الإطار الإداري والأمني المحض الخاضع لسلطة الأجهزة التنفيذية.
أما من جهة طهران، فقد ضمنت الإقامة المؤقتة غطاءً قانونياً يمنع الترحيل القسري أو الملاحقة بتهمة الإقامة غير الشرعية، مما يتيح لشخصية استراتيجية رفيعة المستوى الاستمرار في التواجد على الأراضي اللبنانية لمتابعة ملفات المنطقة والتطورات الميدانية خلال مرحلة شديدة الحساسية.
حدود المهام وآلية التعامل المستقبلي
رغم حصوله على صفة “أجنبي مقيم”، فإن الوزن السياسي والخبرة التراكمية لشيباني سيجعلان وجوده محصوراً في أدواره غير الرسمية. وسيتولى عملياً مهام التنسيق السياسي والتواصل خلف القنوات الرسمية بين القيادة الإيرانية وحلفائها المحليين، متحوّلاً إلى ما يشبه المنسق الخاص بعيداً عن أروقة الديبلوماسية التقليدية.
في المقابل، يفرض هذا الوضع الجديد قيوداً صارمة على مؤسسات الدولة اللبنانية؛ إذ سيمتنع المسؤولون الرسميون والوزراء عن عقد لقاءات معلنة أو رسمية معه تجنباً لخرق البروتوكول أو تقديم اعتراف ضمني بصفة غير موجودة قانوناً. كما تبقى هذه الإقامة رهينة الرقابة الأمنيّة، حيث تمتلك السلطات اللبنانية صلاحية إلغائها في حال وقوع أي خرق للضوابط المحدد لإقامة الأجانب.
تشكل مهلة الأشهر الستة فترة اختبار دقيقة لقواعد اللعبة الجديدة بين بيروت وطهران؛ حيث تمكن لبنان من سحب الذريعة الديبلوماسية وفرض شروطه السيادية بالقانون، فيما حافظت طهران على وجود مسؤولها التنفيذي بشرعنة أمنية موقتة، تحت واقع جديد عنوانه: مسؤول سابق، بلا حصانة، وتحت الرقابة القانونية.

