ردّ حزب الله على بيانَي وزارتَي الخزانة والخارجية الأميركيتين بشأن إعادة تثبيت تصنيفه ضمن منظومة العقوبات الأميركية وربط نشاطه مباشرة بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، رافضًا الاتهامات الأميركية ومعتبرًا أن الخطوة تندرج ضمن سياسة ضغط مستمرة تستهدف الحزب وبيئته ومناصريه في لبنان.
وقال الحزب، في بيان، إن الإدارة الأميركية أعادت طرح ما وصفه بادعاء خضوع حزب الله لسيطرة فيلق القدس، بهدف تبرير إعادة إدراجه ضمن العقوبات، معتبرًا أن القرار يشكل امتدادًا لسياسات أميركية متواصلة تهدف، بحسب موقفه، إلى ممارسة ضغوط سياسية ومالية وأمنية عليه وعلى بيئته.
وجاء رد الحزب بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية، في 20 آب 2026، إعادة تصنيف حزب الله بموجب الأمر التنفيذي 13224 المعدّل، على أساس ما قالت إنه خضوعه لسيطرة أو توجيه فيلق القدس أو عمله بالنيابة عنه. وأوضحت الخزانة أن الخطوة لا تستحدث تصنيفًا أميركيًا جديدًا للحزب، بل تحدّث الأساس الذي تستند إليه واشنطن في ربطه بالحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس.
وفي المقابل، اعتبر حزب الله أن واشنطن، بدل ممارسة الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف عملياتها العسكرية وتفجير المنازل وتجريف الأراضي، تتجه إلى زيادة الضغوط على لبنان، متهمًا الإدارة الأميركية بالسعي إلى تجريد البلاد من عناصر القوة وإحداث اضطرابات داخلية وتحويل وجهة المواجهة القائمة مع إسرائيل.
وشدد الحزب على أنه لا ينتظر من واشنطن أو من أي جهة أخرى ما وصفه بـ«شهادة على لبنانيته ووطنيته»، معتبرًا أن مسيرته وتضحيات عناصره في مواجهة إسرائيل تشكل، من وجهة نظره، الدليل على ارتباطه بلبنان والدفاع عن أرضه وسيادته.
وفي ما يتعلق بعلاقته مع إيران، لم ينف الحزب هذه العلاقة، بل أكد أنها «وثيقة وأخوية»، وقال إنه يعتز بها، مشيرًا إلى الدعم الذي قدمته طهران له ولبنان خلال مراحل المواجهة مع إسرائيل، إضافة إلى مساهمتها في عمليات إعادة الإعمار بعد حرب تموز 2006.
وهاجم الحزب السياسة الأميركية في المنطقة، مستعرضًا سجل التدخلات والحروب الأميركية من فيتنام إلى أفغانستان والعراق، ومتهمًا واشنطن بتوفير الغطاء لإسرائيل في حرب غزة وعملياتها العسكرية في لبنان، فضلًا عن سياساتها تجاه اليمن وسوريا وإيران.
واعتبر أن هذه السياسات، من وجهة نظره، تنزع عن الولايات المتحدة الحق في إصدار تصنيفات أو تقييم وطنية القوى والدول الأخرى، متهمًا واشنطن بتجاوز القوانين والمواثيق الدولية واستخدام قوتها السياسية والمالية لفرض إرادتها على دول وشعوب مختلفة.
وختم حزب الله بالتأكيد أن العقوبات والتصنيفات الأميركية لن تدفعه إلى التخلي عن خيار المقاومة، وقال إنه سيواصل التمسك بما يعتبره حق لبنان واللبنانيين في الدفاع عن الأرض والسيادة والثروات، مؤكدًا أن المقاومة ستبقى، وفق موقفه، جزءًا من الحياة السياسية والوطنية اللبنانية.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت، بالتزامن مع إعادة تثبيت تصنيف الحزب، فرض عقوبات على 10 أشخاص قالت إنهم يشكلون جزءًا من شبكة لنقل الأموال نقدًا إلى حزب الله. ووفق الرواية الأميركية، استخدمت الشبكة مسافرين على متن رحلات جوية تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران لنقل مبالغ قالت واشنطن إنها تصل إلى مئات ملايين الدولارات، بعيدًا عن النظام المالي الرسمي.
وحددت الخزانة رجل الأعمال التركي يونس ألبير يلماز بوصفه، وفق اتهاماتها، المسؤول عن إدارة شبكة نقل الأموال، وقالت إنه استخدم شركات صرافة في تركيا وشركات واجهة وحسابات مصرفية في عمليات مرتبطة بفيلق القدس. كما شملت العقوبات خليل إبراهيم كاجماز، أوندر ديدي، واصفي أكيوز، محمد أكيوز، محمد أجور، فياض كاراصالح، مسعود موسافر، غولاي كايا سافجي وإمراه أياز.
وقالت واشنطن إن بعض أفراد الشبكة كانوا يجمعون الأموال من شركات صرافة، قبل نقلها بصورة مباشرة على متن رحلات تجارية إلى لبنان، فيما أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن كشف الشبكة جاء نتيجة تعاون وتنسيق مع السلطات التركية. وأكدت الخارجية أن الولايات المتحدة ستواصل ملاحقة ما تصفه بشبكات الدعم المالي الإيراني للحزب.
وتترتب على العقوبات الأميركية الجديدة عملية تجميد لأي ممتلكات أو مصالح مالية للأشخاص المشمولين بها تكون موجودة داخل الولايات المتحدة أو واقعة تحت سيطرة أشخاص أميركيين، إضافة إلى حظر غالبية التعاملات المالية معهم. كما حذرت الخزانة من احتمال تعرض مؤسسات مالية أجنبية لإجراءات أميركية إذا نفذت معاملات كبيرة لمصلحة جهات مشمولة بهذه العقوبات.
ولا يمثل قرار 20 آب بداية التصنيف الأميركي لحزب الله. فالولايات المتحدة كانت قد أدرجت الحزب على لائحة «المنظمات الأجنبية المصنفة» في 8 تشرين الأول 1997، ثم صنفته في 31 تشرين الأول 2001 بموجب الأمر التنفيذي 13224، فيما أدرجت فيلق القدس بدوره ضمن العقوبات الأميركية في 25 تشرين الأول 2007. أما الخطوة الأخيرة، فتركز بصورة أكبر على تثبيت الرواية الأميركية القائلة إن العلاقة بين الحزب وفيلق القدس لا تقتصر على الدعم المالي والعسكري، بل تشمل، بحسب الخزانة، تأثيرًا في القرارات السياسية والعملياتية للحزب.
وتأتي الإجراءات الأخيرة ضمن مسار أميركي متصاعد في ملاحقة الشبكات المالية المرتبطة بالحزب. ففي تشرين الثاني 2025، أعلنت الخزانة عقوبات على أفراد اتهمتهم باستغلال الاقتصاد النقدي في لبنان، وقالت يومها إن فيلق القدس نقل منذ مطلع 2025 أكثر من مليار دولار إلى الحزب، معظمها عبر شركات لتحويل الأموال والصرافة، وهي اتهامات سبق للحزب أن رفض مضمونها السياسي واتهم واشنطن باستخدام العقوبات أداة للضغط على لبنان.
وبذلك، يفتح الرد الأخير جولة جديدة من المواجهة السياسية والمالية بين حزب الله وواشنطن، في وقت تربط فيه الإدارة الأميركية بصورة متزايدة ملف الحزب بمسألة النفوذ الإيراني وتمويل فيلق القدس، بينما يصر الحزب على تقديم علاقته بطهران بوصفها علاقة دعم وتحالف، ويرفض اعتبارها أساسًا للتشكيك في موقعه اللبناني أو في خياراته السياسية والعسكرية.

