أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب إطلاق ما وصفه بـ”العملية الاقتصادية الأكثر سحقاً على الإطلاق” ضد إيران، في إطار حرب اقتصادية وعملية عزل قال إنها تجري على نطاق غير مسبوق.
وقال ترامب، في منشور عبر منصته “تروث سوشال”: “لم يمنح أحد إيران فرصة أكبر مما فعلت أنا لإبرام صفقة، ولسوء حظهم وبصورة مأساوية، أخفقوا في اغتنامها”.
وحذّر من سماح أي دولة لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو هيئاتها الحكومية بتقديم “أي شريان حياة بأي شكل من الأشكال” لإيران، مهدداً من يفعل ذلك بمواجهة “تبعات اقتصادية هائلة”.
وشدّد ترامب على ضرورة وقف عمليات تهريب النفط، وخطوط المقايضة، والتحويلات النقدية، واستخدام الشركات الوهمية كواجهات، قائلاً: “كل ذلك يجب أن يتوقف الآن. وأنتم تعرفون أنفسكم”.
ولم يحدد الرئيس الأميركي طبيعة الإجراءات التي ستتخذها واشنطن ضد الدول التي قد تستمر في التعامل مع إيران، كما لم يسمّ أي دولة بعينها.
ووصف ترامب الخطوة بأنها “يوم إنزال اقتصادي”، داعياً جميع حلفاء الولايات المتحدة إلى الاصطفاف إلى جانب واشنطن لعزل إيران وإلحاق الهزيمة بها، ومعتبراً أن الإجراءات الجديدة ستشلّ قدراتها وتحد من قدرتها على نشر العنف في أنحاء العالم.
وأضاف أن الأسطول البحري الإيراني “انتهى”، وأن سلاح الجو الإيراني “تم تدميره”، فيما تحولت المصانع العسكرية، وفق قوله، إلى أنقاض، وأصبحت العملة الإيرانية بلا قيمة، معتبراً أن البلاد باتت على حافة الهاوية، ومجدداً تأكيده أن إيران “لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً”.
ويأتي إعلان ترامب مع دخول الحرب شهرها السادس من دون حسم عسكري أو انفراجة دبلوماسية، في وقت لا يزال مضيق هرمز الحيوي مغلقاً عملياً.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني المقبل، يواجه ترامب انتقادات داخلية مرتبطة بتكاليف الحرب على المستهلك الأميركي، إضافة إلى الخسائر التي تكبدها الجيش الأميركي.
وفي مضيق هرمز، لم تشهد حركة الملاحة الأربعاء تغيراً عن اليوم السابق، إذ أظهرت بيانات شركة “كبلر” لتتبع الملاحة عبور 9 سفن بضائع للمضيق.
أما في مضيق باب المندب، فتراجعت حركة الملاحة الأربعاء إلى 27 سفينة، بعدما كانت 32 سفينة قد عبرت المضيق الثلاثاء، وفق بيانات “كبلر”.
وفي الأثناء، بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، خلال اتصال هاتفي الأربعاء، آخر المستجدات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة، إضافة إلى سبل تعزيز التعاون مع باكستان، وفق ما نشره عراقجي عبر “تلغرام”.
وجاء الاتصال في ظل استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، وبعد يومين من انتهاء مذكرة التفاهم التي توسطت فيها باكستان بين الطرفين.
وكانت مهلة الـ60 يوماً المحددة في مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة قد انتهت الاثنين 17 آب، من دون نجاح الطرفين في تحويل التفاهم المؤقت إلى اتفاق نهائي.
كما أجرى عراقجي اتصالاً هاتفياً الأربعاء مع نظيره الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق، أكد خلاله أهمية تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية، ولا سيما عبر منظمة التعاون الإسلامي، لدعم فلسطين والتصدي لما وصفه بـ”مؤامرات إسرائيل ضد مصالح العالم الإسلامي”.
وتزامنت هذه الاتصالات مع زيارة أجراها رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى العاصمة العراقية بغداد، حيث دعا إلى تعزيز ما وصفه بـ”النظام الجديد في المنطقة”، ودعم التعاون من دون تدخل أجنبي.
وفي موازاة ذلك، حذرت إيران الأربعاء دول الخليج من دعم الجيش الأميركي، بعد ساعات من إعلان الإمارات العربية المتحدة وقف جميع أنشطتها التجارية مع إيران.
ورغم التهدئة التي شهدتها الأيام الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، لا يزال مضيق هرمز، الذي تغلقه طهران عملياً، نقطة توتر رئيسية، فيما تواصل السفن التي تحاول عبور الممر الملاحي الحيوي التعرض لهجمات.
وكان ترامب قد نشر عبر “تروث سوشال” منشوراً وصف فيه مضيق هرمز بأنه “أرض أميركية جديدة”.
وفي ظل عدم نجاح العمليات العسكرية الأميركية، على مدى أشهر، في حسم الحرب نهائياً، بدت نبرة إيران أكثر تحدياً في مواجهة تهديدات واشنطن، بالتزامن مع وصول شخصيات معروفة بالتشدد إلى مناصب عسكرية وأمنية بارزة.
ومن بين هذه الشخصيات محسن رضائي، البالغ 71 عاماً، الذي تولى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وحسين طائب، البالغ 63 عاماً، الذي عُيّن قائداً لقوات الباسيج.
ويرى مراقبون أن هذه التعيينات تعكس استعداداً إيرانياً لمواجهة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.
وحذرت قيادات عسكرية إيرانية من أن أي تصعيد شامل جديد قد يدفع طهران إلى تجاوز حدود استراتيجيتها السابقة، التي تمثلت في مهاجمة قواعد عسكرية أميركية ومحطات للطاقة ومنشآت أخرى للبنية التحتية في الشرق الأوسط، والتوجه نحو أهداف أبعد مدى.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية بأن إيران تدرس احتمال مهاجمة أهداف عسكرية أميركية في أوروبا في حال صعّد ترامب العمليات العسكرية ضد طهران.
ونقلت الصحيفة عن مصدرين مطلعين أن القوات الإيرانية تقيم إمكانية ضرب أصول أميركية في دول بجنوب شرقي أوروبا، من بينها بلغاريا، التي سمحت الشهر الماضي للولايات المتحدة باستخدام قاعدة “بزمر” الجوية لتزويد الطائرات الأميركية بالوقود.
كما تدرس القوات الإيرانية إمكانية استهداف كابلات الألياف الضوئية البحرية في مضيق هرمز، بحسب التقرير، الذي أشار أيضاً إلى أن قبرص، حيث توجد قاعدة جوية بريطانية، تدخل ضمن بنك الأهداف الإيرانية المحتملة في حال التصعيد.
وتعكس هذه التهديدات، وفق الصحيفة، ارتفاع نبرة التحدي داخل النظام الإيراني، حيث بات كثيرون يعتقدون أن استئناف الحرب ليس سوى “مسألة وقت”.
من جهتها، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية أن إدارة ترامب تراهن على أن يؤدي الجمع بين العقوبات الصارمة والحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية إلى دفع الاقتصاد الإيراني، المتدهور بسرعة، نحو انهيار حاد وإجبار طهران على تقديم تنازلات.
وأضاف التقرير أن كبار مستشاري ترامب يرون أن شلّ قدرة إيران على التجارة مع العالم أكثر جدوى وفاعلية من العمليات العسكرية أو الجهود الدبلوماسية التي لم تنجح حتى الآن في دفع طهران إلى القبول بالشروط الأميركية.
ووفق ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين، تعتقد دول الخليج الحليفة للولايات المتحدة أن إيران سترد عسكرياً في نهاية المطاف على تصاعد الضغوط الاقتصادية، بما قد يؤدي إلى اشتعال الصراع مجدداً.

