يتصاعد الجدل داخل إسرائيل حول ترتيبات حماية التجمعات المحيطة بالقدس، بعدما تبيّن أن الجيش الإسرائيلي يستعد لإنهاء مهمة جنود الاحتياط الذين يتولون حراسة هذه المناطق منذ اندلاع الحرب، فيما يرى حرس الحدود الإسرائيلي أنه لا توجد ضرورة لفرض حراسة متواصلة على مدار الساعة في كل تجمع، في خطوة أثارت انتقادات حادة وتحذيرات من العودة إلى “مفهوم 6 تشرين الأول”.
وبحسب تقرير للصحافية إفرات فورشر في موقع “واللا” الإسرائيلي، وُزعت رسالة صادرة عن حرس الحدود على أمناء ومسؤولي الأمن في التجمعات المحيطة بالقدس، تفيد بأن الجيش الإسرائيلي يتجه إلى إنهاء عمل جنود الاحتياط ضمن منظومة الدفاع الإقليمي، الذين يتولون حماية هذه التجمعات منذ بداية الحرب، وذلك في منتصف تشرين الأول.
وحملت الرسالة عنوان “الاستعداد لتأمين تجمعات محيط القدس بعد انتهاء نشاط قوات الدفاع الإقليمي في التجمعات”، ووصلت إلى “واللا” اليوم الأربعاء.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن رسميًا أن مهمة هؤلاء الجنود ستنتهي مع نهاية العام، إلا أن حرس الحدود ومسؤولي التجمعات تلقوا مؤشرات إلى احتمال انتهاء المهمة فعليًا بعد فترة الأعياد.
وكان جنود الاحتياط في منظومة الدفاع الإقليمي قد انتشروا في تجمعات الضفة الغربية مع اندلاع الحرب، على خلفية تصاعد التهديدات والمعلومات الاستخبارية والخشية من تدهور أمني في الضفة الغربية على غرار أحداث 7 تشرين الأول.
وأشار التقرير إلى أن هذا القرار يأتي بعد 8 أشهر فقط من نشر مراقب الدولة الإسرائيلي تقريرًا شديد اللهجة، حذّر فيه من خلل في مفهوم التشغيل العملياتي لدى حرس الحدود في محيط القدس، وكشف سلسلة من أوجه القصور والإخفاقات في إدارة المعابر.
ووفق التقرير، فإن تلك الإخفاقات تؤثر في الجاهزية والاستعداد العملياتي والقدرة على حماية التجمعات المحيطة بالقدس من سيناريوهات تسلل أو اقتحام مشابهة لما حدث في 7 تشرين الأول، ما دفع منتقدي القرار إلى التساؤل عما إذا كان حرس الحدود يعود إلى المفهوم الأمني السابق.
وجاء في الرسالة التي وصلت إلى “واللا”: “قائد منطقة محيط القدس في حرس الحدود يتحمل المسؤولية الأمنية في المنطقة، وعن توفير الاستجابة الشرطية في القطاع، وفقًا لتقييم الوضع والقدرات المتاحة لدى شرطة إسرائيل”.
لكن الرسالة أضافت أن “مسؤولية تنظيم منظومة الحراسة داخل التجمع، بما يشمل تحديد حجمها وطريقة تشغيلها وتوفير القوة البشرية اللازمة لها، تقع على عاتق السلطة المحلية والتجمع نفسه”.
وشددت كذلك على أنه “لا يوجد في هذه الوثيقة أي مطلب صادر عن شرطة إسرائيل أو حرس الحدود لنشر حارس أو قوة أمنية بشكل متواصل 24/7 في كل تجمع”.
وكان قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي قد وقّع عام 2022، بعد استكمال نقل المسؤولية عن المفهوم الأمني في تجمعات محيط القدس من الجيش إلى حرس الحدود، أمرًا ينظم ترتيبات الحراسة، ومنح قائد محيط القدس في حرس الحدود صلاحية الإشراف على الحراسة في هذه التجمعات.
وأثارت الرسالة انتقادات بين مسؤولي المنطقة، إذ قال أحد المصادر في الضفة الغربية إن “حرس الحدود مسؤول عن المفهوم الأمني، وبموجب ذلك يفترض أن يحدد ويوجه كيفية إدارة الحماية في التجمعات وحجمها”.
وأضاف مستنكرًا: “هل يُعقل أن يقرر كل تجمع بنفسه إذا كان سيضع حراسة عند مداخله، وكيف، وبأي حجم؟”.
وتابع: “حرس الحدود يحاول ببساطة التنصل من مسؤوليته العملياتية والأمنية، وإلقاء المسؤولية على السلطات المحلية والتجمعات نفسها”.
وقال مصدر آخر إن “المفهوم العملياتي للجيش وحرس الحدود كان دائمًا يقوم على وجود حاجة أمنية إلى حراسة متواصلة 24/7 في تجمعات محيط القدس، وهذا ما هو مثبت أيضًا في ملفات الدفاع الخاصة بهذه التجمعات”.
وأضاف: “هذه ليست تجمعات في منطقة ماتيه يهودا. إنها تجمعات تقع بمحاذاة قرى فلسطينية، وبعضها محاط بقرى فلسطينية معادية”.
وتساءل: “ما الذي تغير؟ هل أصبحت هذه التجمعات فجأة غير مهددة؟”.
وشدد المصدر على أنه “بعد 7 تشرين الأول، كان يفترض بالدولة أن تعزز عناصر الحماية لا أن تقلصها، خصوصًا عندما تشير جميع تقديرات الوضع إلى الضفة الغربية باعتبارها الجبهة المقبلة”.
وأضاف: “القول إنه لا توجد حاجة إلى نشر حارس بشكل متواصل منفصل عن الواقع ولا يتوافق مع ما يجري على الأرض، ويشير بشكل أساسي إلى عدم فهم طبيعة التهديدات وما تعنيه المسؤولية عن حماية منطقة وتجمع”.
وفي ردها، قالت الشرطة الإسرائيلية إن “الرسالة تهدف إلى وضع الجهات المعنية أمام الحاجة إلى الاستعداد العملياتي تمهيدًا لانتهاء نشاط جنود الدفاع الإقليمي في التجمعات، وليس إلى تغيير مفهوم الحماية أو الانتقاص منه”.
وأضافت أن “قوات حرس الحدود ستواصل العمل في المنطقة وفقًا لتقييم الوضع والاحتياجات العملياتية”.
وهكذا، يتحول قرار إنهاء انتشار جنود الاحتياط إلى اختبار جديد لمفهوم الحماية الإسرائيلي في الضفة الغربية ومحيط القدس، فيما يعيد الجدل إلى الواجهة السؤال الذي طبع مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول: هل يجري تقليص الإجراءات الأمنية قبل زوال التهديدات التي استدعت فرضها أصلًا؟

