كشفت مصادر أمنية لبنانية رفيعة المستوى عن إجراءات تحقق وترقب مشددة في المنافذ الجوية والبرية، بعد ورود معلومات عن محاولات لإدخال عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان باستخدام جوازات سفر لبنانية تحمل بيانات أشخاص متوفين وصور مستخدميها الفعليين.
وقالت المصادر إن الإجراءات تشارك فيها أجهزة أمنية ومعلوماتية لبنانية، وتركز على منع وصول ما وصفته بـ”إمدادات بشرية” تضم مقاتلين وفنيين عسكريين، في ظل معلومات عن مساع إيرانية لتعزيز الوجود الميداني في جنوب لبنان، ولا سيما في محيط تلة علي الطاهر.
وبحسب المصادر، أعاد الملف إلى الواجهة شبهات قديمة بشأن استغلال ثغرات واختراقات طالت منظومة الوثائق والهويات وجوازات السفر اللبنانية، والاستفادة من بيانات مواطنين حقيقيين توفوا لإنتاج وثائق سفر تحمل بياناتهم الأصلية، لكن مع استبدال الصورة بصورة الشخص الذي يستخدم الجواز.
وثائق أصلية وصور مختلفة
وأوضحت المصادر أن خطورة القضية تكمن في أن بعض الوثائق محل الاشتباه لا تبدو مزورة بالمعنى التقليدي، إذ تتضمن أسماء وأرقاماً وبيانات حقيقية ومسجلة رسمياً، فيما يتركز التلاعب، وفق المعلومات المتوافرة، في هوية الشخص الذي يحمل الوثيقة وصورته.
وأضافت أن التحقيقات تتناول شبهات بشأن استخدام حزب الله، خلال مراحل سابقة، بيانات ووثائق لأشخاص متوفين، مستفيداً من علاقات أو ارتباطات كانت قائمة مع موظفين في جهات معنية بإصدار الوثائق الرسمية.
ووفق المصادر، شملت الأساليب المشتبه بها إعادة استخدام بيانات ووثائق تعود إلى لبنانيين متوفين، إلى جانب إعادة إنتاج وثائق مرتبطة بعناصر في حزب الله قتلوا في تفجيرات أو مواجهات ولم تعلن أسماؤهم على نطاق واسع، قبل استخدامها لمصلحة أشخاص آخرين.
وأكدت أن التحقيقات لا تزال مستمرة لتحديد الآليات التي اتبعت في إصدار هذه الوثائق أو تعديلها، والأشخاص الذين شاركوا في العملية، ومدى اتساع نطاق استخدامها خلال السنوات الماضية.
تدقيق في القادمين من الخارج
وقال مصدر أمني لبناني إن الأجهزة المعنية رفعت مستوى التدقيق في المنافذ الجوية والبرية لرصد أي محاولات لدخول عناصر يشتبه في ارتباطها بالحرس الثوري، في ظل معلومات عن سعي طهران إلى إرسال مقاتلين وخبراء وفنيين عسكريين لتعزيز جبهة الجنوب.
وأضاف أن الإجراءات تستند أيضاً إلى معلومات تلقتها جهات لبنانية في إطار التعاون الأمني مع دول أخرى، تتضمن بيانات وأسماء مرتبطة بجوازات سفر لبنانية يشتبه في استخدامها من جانب عناصر إيرانية.
وبحسب المصدر، يجري التركيز بصورة خاصة على بعض القادمين بجوازات سفر لبنانية من العراق ودول في غرب أفريقيا وأميركا الجنوبية، في ضوء معلومات أمنية تتعامل مع بعض هذه الدول باعتبارها محطات عبور محتملة لعناصر مرتبطة بالحرس الثوري قبل وصولها إلى لبنان.
وأشار إلى أن عمليات التحقق لا تقتصر على مطابقة صورة حامل الجواز ببيانات الوثيقة، وإنما تشمل تحريات إضافية بشأن سجل السفر ومصدر الرحلة والوجهات السابقة والبيانات المدنية المرتبطة بالاسم المستخدم.
تلة علي الطاهر في قلب المشهد
وتكتسب الإجراءات الجديدة أهمية إضافية في ظل التطورات العسكرية في جنوب لبنان، إذ تقول المصادر إن معلومات الأجهزة المعنية تشير إلى وجود قيادات وعناصر قتالية وفنية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني تعمل على مستويات مختلفة في المنطقة.
وبحسب المصادر، يرتبط جانب من هذا الوجود بغرفة عمليات في محيط تلة علي الطاهر، فيما تسعى طهران، وفق المعلومات الأمنية، إلى دعم نقاط أخرى في الجنوب بخبرات وعناصر إضافية بعد الخسائر التي تعرض لها حزب الله خلال الضربات الإسرائيلية في الأشهر الماضية.
وترى المصادر أن هذا النشاط أصبح جزءاً من الحسابات الأمنية المرتبطة بالتصعيد الإسرائيلي الأخير في المنطقة، وسط خشية لبنانية من أن يؤدي وصول عناصر إضافية أو توسيع البنية العسكرية إلى زيادة حدة المواجهة.
ملف يعود إلى سنوات
وقال مصدر لبناني مطلع على الملف إن التحقيقات تطرح أسئلة أوسع بشأن احتمال وجود عملية “ممنهجة” جرى تنفيذها على مدى سنوات، واستفادت من موظفين عموميين أو نفوذ داخل مؤسسات رسمية للوصول إلى بيانات ووثائق تخص مواطنين آخرين.
وأضاف أن الشبهات المتعلقة باستخدام جوازات مواطنين متوفين تعود إلى مرحلة كان فيها حزب الله يتمتع بنفوذ أكبر داخل مؤسسات ومرافق الدولة، بما فيها مطار رفيق الحريري الدولي وبعض المنافذ البرية.
وأوضح أن التحقيق في القضية يعيد فتح ملف إصدار أو تعديل وثائق سفر لمصلحة أشخاص غير أصحابها الأصليين، وما إذا كانت استخدمت في تحركات ذات طبيعة أمنية أو عسكرية أو في عمليات مرتبطة بنقل السلاح.
وأشار المصدر إلى أن تكرار الأسلوب نفسه أصبح أكثر صعوبة في المرحلة الحالية، في ظل تغيّر موازين النفوذ داخل مؤسسات الدولة وتشديد القيادات الأمنية إجراءاتها في التعامل مع الملفات المرتبطة بحزب الله.
“تزوير” يصعب اكتشافه
من جهته، قال الباحث السياسي اللبناني قاسم يوسف إن القضية ليست جديدة كلياً بالنسبة إلى الجهات الأمنية، مشيراً إلى أن الشبهات تعززت بعد استهداف إسرائيل أشخاصاً في لبنان كانوا يحملون وثائق سفر لبنانية قبل أن تظهر، وفق قوله، معلومات عن ارتباطهم بمواقع متقدمة في الحرس الثوري.
وأضاف يوسف أن بعض الجوازات محل الاشتباه لا يمكن وصفها بأنها مزورة بالكامل، لأنها صادرة أساساً عن جهات رسمية لبنانية وتحمل بيانات لأشخاص موجودين في السجلات المدنية، لكن الإشكالية تتمثل في استخدامها من جانب أشخاص آخرين.
وأوضح أن بيانات مثل الرقم التسلسلي والاسم واسم الأب والأم وتاريخ ومكان الولادة قد تكون متطابقة مع سجلات النفوس، بينما يقع التلاعب في الصورة وهوية الشخص الذي يحمل الجواز فعلياً.
وقال إن هذه الآلية تجعل اكتشاف الوثيقة أكثر تعقيداً مقارنة بجواز السفر المزور تقليدياً، لأنها تستند إلى بيانات حقيقية ووثيقة موجودة في قواعد البيانات الرسمية.
ويرى يوسف أن كشف هذا المسار قد يدفع السلطات اللبنانية إلى توسيع عمليات التدقيق لتشمل ملفات أخرى يشتبه في استغلال مؤسسات الدولة فيها خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة قد تشهد فتح ملفات تتعلق بكيفية استخدام النفوذ داخل مؤسسات حكومية لخدمة أنشطة خارج الأطر الرسمية، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة لتعزيز سيادة الدولة وضبط المنافذ والوثائق الرسمية.

