دخل ملف السحوبات المشبوهة من حسابات عدد من مودعي بنك البحر المتوسط “BankMed” منعطفاً قضائياً جديداً، بعدما علم “ليبانون ديبايت” أن النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي رجا الحاموش ادعى على مدير فرع المصرف في الحمرا سامر السبع، على خلفية الاستيلاء على أموال مودعين فاقت قيمتها 4 ملايين دولار، وأحال الملف إلى قاضية التحقيق الأول في بيروت رولا عثمان.
وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، تتمحور الشبهات حول قيام السبع، قبل فراره، بتصوير تواقيع أصحاب الحسابات واستخدامها لإصدار شيكات بأسمائهم، ما أتاح سحب مبالغ مالية من حساباتهم من دون علمهم أو موافقتهم، وهي الوقائع التي باتت اليوم موضع تحقيق قضائي لتحديد حقيقتها وكامل المسؤوليات المترتبة عليها.
وادعى الحاموش استناداً إلى المواد 672 و454 و459 و210 من قانون العقوبات، في خطوة قضائية أعادت الملف إلى حجمه الحقيقي، بعدما بقي طوال فترة المراجعات محصوراً بين المودعين والمصرف، الذي أصر، وفق المستندات المرفقة بالشكوى، على اعتبار العمليات الجارية على الحسابات صحيحة.
القاضي رجا حاموش (صورة من الأرشيف)
وتعود القضية إلى شكوى جزائية تقدم بها المحامي صخر شهيد الهاشم في 25 حزيران 2025، بوكالته عن مجموعة من المودعين، ضد بنك البحر المتوسط وكل من يظهره التحقيق فاعلاً أو محرضاً أو شريكاً أو متدخلاً، بجرائم إساءة الأمانة والتزوير واستعمال المزور وتبييض الأموال.
وبحسب الشكوى، بدأت خيوط الملف بعدما اكتشف أحد المودعين، لدى مراجعته كشف حساب مشتركاً مع زوجته في آذار 2025، وجود عملية سحب بقيمة 400 ألف دولار لم يقم بها أي منهما.
وعند مراجعة العملية، تبين، وفق رواية المدعين، أنها تمت بواسطة شيك نُسب طلب إصداره إلى الزوجة، في حين نفت الأخيرة أن تكون قد طلبت الشيك أو وقعت على المستندات المتعلقة به.
ومن هنا، توسعت عملية التدقيق لتشمل حسابات أخرى عائدة إلى أفراد من العائلة، لتظهر، بحسب الشكوى، عمليات سحب إضافية من عدد من الحسابات الفردية والمشتركة، رغم تأكيد أصحابها أنهم لم يطلبوا تنفيذها ولم يجروا عمليات سحب بالقيم المسجلة.
وتشير الشكوى إلى أن مجموع المبالغ موضوع النزاع فاق 4 ملايين دولار، موزعة على حسابات عدة.
ولم يلجأ أصحاب الحسابات مباشرة إلى القضاء، إذ تظهر المستندات المرفقة بالشكوى سلسلة طويلة من المراجعات والمراسلات مع المصرف، شملت مطالبة إدارته بالتحقيق في العمليات وإعادة الأموال.
وتذكر الشكوى أنه، في إحدى مراحل المراجعة، أُبلغ أحد المودعين بوجود خطأ من جانب المصرف وبأن مبلغ 400 ألف دولار سيعاد إلى حسابه، إلا أن ذلك لم يحصل.
ولاحقاً، أبلغ المصرف أصحاب الحسابات بأن الملف أُحيل إلى دائرة حماية الزبائن لإجراء التحقيقات اللازمة، قبل أن يوجه إليهم، في 8 أيار 2025، كتاباً أفاد فيه بأن التحقيقات التي أجراها أظهرت، وفق موقفه، أن العمليات الجارية على الحسابات صحيحة.
وهنا تبرز مسؤولية المصرف في الإجابة عن أسئلة لم تعد قابلة للاختصار بكتاب داخلي: كيف خرجت هذه المبالغ من حسابات المودعين؟ وكيف نُفذت العمليات التي ينفي أصحاب الحسابات إجراءها؟ وكيف خلص التحقيق الداخلي للمصرف إلى اعتبارها صحيحة، في وقت انتهت فيه القضية إلى ادعاء قضائي على مدير أحد فروعه؟
ورفض المودعون موقف المصرف وتمسكوا بحقهم في اتخاذ الإجراءات القانونية، لتنتقل القضية لاحقاً إلى القضاء، حيث اتخذ القاضي رجا الحاموش خطوة حاسمة بالادعاء على السبع وإحالة الملف إلى قاضية التحقيق الأول في بيروت رولا عثمان.
وتُسجل للحاموش، في هذا السياق، جدية التعاطي مع ملف لا يحتمل المعالجة الشكلية، ولا سيما أن القضية تتعلق بأموال مودعين تفوق 4 ملايين دولار، وبشبهات مرتبطة بتواقيع وشيكات وعمليات سحب من حسابات عدة. فالنيابة العامة لم تكتفِ بما انتهت إليه المراجعات الداخلية للمصرف، بل وضعت الوقائع أمام التحقيق القضائي لكشف حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات.
وبذلك، لم تعد القضية مجرد اعتراض مصرفي بين مودع ومصرف. فالجهة التي كان يفترض بها حماية أموال عملائها تجد نفسها اليوم أمام ملف قضائي يتعلق بملايين الدولارات خرجت، بحسب أصحابها، من حساباتهم من دون علمهم، فيما بات أحد مسؤوليها مدعى عليه أمام القضاء.
خطوة الحاموش وضعت الملف حيث يجب أن يكون: تحت رقابة القضاء، بعيداً من أي محاولة لحصر القضية داخل جدران المصرف أو الاكتفاء بنتائج تحقيقاته الداخلية.

