علم “ليبانون ديبايت” من مصدر أمني وآخر قضائي أن السلطات اللبنانية نجحت، بنسبة كبيرة، في فك لغز اختطاف التيكتوكر السوري المعروف حسين الأحمد، الملقب بـ”حيحو”، من داخل الأراضي اللبنانية ونقله إلى الأراضي السورية، خلافاً للمزاعم الرسمية السورية التي تحدثت عن أن حيحو أوقف داخل الأراضي السورية، عند أحد المعابر غير الشرعية على الحدود مع لبنان، بعد دخوله خلسة.
وتعود جذور المشكلة التي جعلت السلطات السورية تسعى خلف “حيحو” إلى تعرضه للرئيس السوري أحمد الشرع، على خلفية رفض السفارة السورية في بيروت إصدار جواز سفر جديد له.
بدأت القصة قبل أسابيع قليلة، إثر توجه “حيحو” إلى السفارة السورية في بيروت بهدف الاستحصال على جواز جديد. وبعد أن دخل المكان المخصص وحصل على رقم للانتظار وجاء دوره، تعرّف إليه أحد الموظفين من خلال ورود اسمه على “السيستم”، ليقوم الموظف باستدعاء رجال أمن ملتحين يتبعون لجهاز أمن السفارة، فأخضعوا الأحمد، في غرفة مجاورة، للتحقيق على خلفية انتقادات لاذعة يوجهها عبر صفحته على “تيك توك” إلى السلطات الجديدة في سوريا.
وبموجب ذلك، أُبلغ “حيحو” بقرار رفض إصدار جواز سفر جديد له، وبضرورة مغادرة السفارة وعدم العودة مجدداً، في تصرف عقابي يخلط بين الشخصي والرسمي ويعكس نزع صفة المواطنة، من دون مسوغ قانوني ومن دون وجود أي قرار قضائي صادر عن سلطات دمشق. ودفع هذا التصرف بحيحو إلى تسجيل فيديو خارج حرم السفارة السورية في بيروت، وجّه خلاله شتائم إلى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وعائلته.
وبدلاً من أن تقوم السلطات السورية بإصدار قرار قضائي وإبلاغ السلطات القضائية في بيروت بمضمونه، تمهيداً لتوقيف “حيحو” عبر المسار القانوني، قررت تجاهل كل العلاقات الجيدة التي نسجها القائم بأعمال السفارة السورية، السيد إياد الهزاع، مع رجال أمن وقانون، من بينهم مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، واتخاذ قرار بالإيقاع بحيحو وخطفه من داخل الأراضي اللبنانية وسوقه إلى سوريا، وهو فعل ينم عن رغبة جامحة في جعله درساً لمنتقدي السلطة الجديدة، وترويع المعارضين أو المواطنين السوريين المقيمين على الأراضي اللبنانية.
الخيط الرفيع الذي قاد الأجهزة إلى تفكيك أسرار عملية الخطف، بحسب المصدرين الأمني والقضائي، كان “داتا” الاتصالات، التي كشفت عن دور لشريك حيحو في السكن، ويدعى و. يعقوب (سوري – توارى عن الأنظار). وبحسب ما تبيّن، عمل يعقوب، بعد تفاقم المشكلة الناجمة عن التسجيل المصور، على إقناع شريكه بضرورة الانتقال من حي السلم إلى مكان “أكثر أمناً” يقع على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت، واستئجار شقة صغيرة هناك، خشية ملاحقته أو تعرضه لمكروه.
وأظهرت التحقيقات التي قامت بها الأجهزة أن انتقال حيحو إلى مكانه الجديد كان مكيدة خطط لها يعقوب بالتعاون مع آخرين، ثم أقنع “حيحو” بأنه يعلم بوجود أشخاص في إمكانهم تسوية وضعه، وهو ما يفسر خروجه من “مخبئه” وانتظاره أشخاصاً أتوا خصيصاً لنقله، لتنقطع بعدها الاتصالات معه، إلى حين إعلان السلطات السورية توقيفه داخل سوريا.
وبيّنت تحقيقات الأجهزة أن إحدى السيارات التي استُخدمت في العملية كان فيها أشخاص تبيّن أنهم ينشطون ضمن مجموعة تعمل بتوجيهات مباشرة من المدعو سعد المصري، وهو من قادة المحاور السابقين في طرابلس، وضيف دائم للسفارة السورية في بيروت، وقد ظهر مؤخراً في صورة إلى جانب السيد الهزاع. كما تربطه علاقة وطيدة بالمدعو شادي المولوي، المطلوب السابق للأجهزة الأمنية اللبنانية بتهم متنوعة على صلة بنشاط التنظيمات الجهادية في شمال لبنان، وهو الشخص نفسه الذي تتردد لدى الأجهزة باستمرار معلومات عن وجود نشاط تنسيقي له مع أقرانه من الجهاديين في شمال لبنان.
وبحسب ما فُهم من مصادر أمنية وأخرى قضائية، يُشتبه في أن المصري أشرف على نقل حيحو إلى داخل الأراضي السورية وتسليمه إلى المولوي، حيث تجمعهما علاقة، أو إلى أجهزة سورية بات المولوي يعمل لمصلحتها.
واستبعدت المصادر الأمنية رواية أن يكون حيحو قد توجه بمفرده ومن تلقاء نفسه إلى منطقة حدودية مع سوريا، انطلاقاً من خوفه الظاهر من الملاحقة وإلقاء القبض عليه.
على أي حال، فإن ما جرى يستدعي توسيع التحقيقات من جانب الأجهزة الأمنية اللبنانية. فصحيح أن حيحو مواطن سوري، لكنه خُطف بطريقة بوليسية من على الأراضي اللبنانية، وتبيّن أن الخاطفين جهة مرتبطة بالأجهزة الأمنية السورية، ما يعيد إلى الأذهان ممارسات النظام السوري السابق، وينقض الكلام المستمر للمسؤولين السوريين، وعلى رأسهم الرئيس أحمد الشرع، عن احترام السلطات السورية الجديدة للسيادة اللبنانية.
ويُذكر أن السلطات نفسها في السفارة السورية في بيروت حاولت تكرار الأسلوب نفسه مع اللواء السوري المتقاعد عادل عيسى، الذي توجه بدوره إلى السفارة بنية إنجاز وكالة، قبل أن يخضع للتحقيق ويُحتجز داخل السفارة. وبعد إثارة الموضوع في الإعلام، أُجبر جهاز أمن السفارة، بعد 7 ساعات على احتجازه، على تسليمه إلى المباحث الجنائية التابعة للشرطة القضائية، إثر اتصال أجراه الهزاع بمدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، وليس كما قيل إنه سُلّم فور توقيفه بناءً على وجود دعاوى قضائية بحقه داخل سوريا.

