أشاد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بمواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، مؤكدًا أنها عززت ثقة اللبنانيين بالدولة ورئاسة الجمهورية، في وقت كشف فيه أن اللقاء بينهما تناول مفاوضات روما والتصعيد الإسرائيلي في الجنوب واهتمام الفاتيكان بالملف اللبناني، إلى جانب أوضاع الأهالي والبلدات الحدودية وملف إعادة الإعمار.
وجاء كلام الراعي بعد زيارته الرئيس عون، حيث أوضح أن الهدف الأول من اللقاء كان شكره على مشاركته، إلى جانب اللبنانية الأولى، في احتفال تطويب البطريرك الياس الحويك، مشيرًا إلى أن البحث تناول قيمة هذا الحدث الروحية والوطنية والمعاني التي يحملها بالنسبة إلى لبنان.
وقال الراعي: “هنأت الرئيس بمواقفه المشرّفة التي أعطت ثقة لكل اللبنانيين”، مضيفًا أن الجو العام في البلاد بات، في رأيه، يعكس ثقة أكبر بالدولة وبالرئيس وبقدرة اللبنانيين أنفسهم على مواجهة التحديات.
وربط الراعي بين هذه الثقة وتطويب البطريرك الياس الحويك، معتبرًا أن الحويك كان في أساس تكوين لبنان، وأن تطويبه يحمل رسالة تتجاوز البعد الكنسي إلى المعنى الوطني المرتبط بالرجاء والثقة بالوطن والدولة.
وأشار إلى أن لبنان بات يضم، بحسب إحصائه منذ تطويب مار شربل عام 1965 وحتى اليوم، 15 قديسًا وطوباويًا، معتبرًا أن هذا الرقم يحمل دلالة روحية كبيرة للبنانيين ويدعوهم إلى التمسك بوطنهم وعدم فقدان الأمل.
وكان البابا لاوون الـ14 قد أجاز في 22 أيار الماضي مرسوم الأعجوبة المنسوبة إلى شفاعة البطريرك الياس الحويك، فاتحًا الطريق أمام تطويبه. وأقيم قداس التطويب في الديمان في 25 تموز بحضور الرئيس عون وكبار المسؤولين اللبنانيين، فيما وصفه الفاتيكان بأنه أحد أبرز الشخصيات الكنسية والوطنية في تاريخ لبنان الحديث و”أب لبنان الكبير”.
وتولى الحويك البطريركية المارونية بين عامي 1899 و1931، وبرز دوره خصوصًا خلال مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، حيث قاد الوفد اللبناني الذي طالب باستقلال لبنان وتوسيع حدوده، قبل إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920. كما ارتبط اسمه بدور اجتماعي وإنساني واسع خلال المجاعة التي ضربت لبنان في الحرب العالمية الأولى، فضلًا عن مساهماته في التعليم والعمل الاجتماعي.
وعن الأوضاع في جنوب لبنان، شدد الراعي على وقوف البطريركية إلى جانب الأهالي الذين يعانون تداعيات الحرب، مؤكدًا أن قضية العودة لا يمكن فصلها عن إعادة الإعمار.
وقال: “نحن مع أهل الجنوب، نعرف قضيتهم ونعرف جرحهم. نطالب بعودتهم، ولكن نطالب بإعادة الإعمار. عودة إلى ماذا؟”، مؤكدًا أن هذا الملف يشكل جزءًا دائمًا من عمل البطريركية ومؤسساتها.
وتطرق الراعي بصورة خاصة إلى المدارس الكاثوليكية في المناطق الجنوبية، مشددًا على أن أيًا منها لم يُغلق أبوابه، رغم الظروف الأمنية والاقتصادية القاسية التي تمر بها البلدات الحدودية.
وأوضح أن المدارس واصلت استقبال تلامذتها، وأن كل مؤسسة تعمل على معالجة مشكلة الأقساط والظروف المالية للأهالي وفق إمكاناتها، مؤكدًا أن أصوات سكان الجنوب ومعاناتهم وصلت إلى البطريركية.
وفي الشق السياسي، كشف الراعي أن مفاوضات روما كانت حاضرة في لقائه مع الرئيس عون، ولا سيما في ظل تزامن الجولة الأخيرة من المحادثات مع تصعيد إسرائيلي واسع في الجنوب.
وقال الراعي إن الرئيس عبّر عن موقف واضح يعتبر أن على إسرائيل “أن تتصرف بطريقة مختلفة”، خصوصًا مع استمرار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تحت الرعاية الأميركية.
وأضاف: “فخامة الرئيس مشغول البال بشأنه، وكنا معًا على أن المفاوضات ماشية وإسرائيل ماشية. نريد من إسرائيل أيضًا أن تراعي الموضوع أكثر قليلًا”.
وكانت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية قد انعقدت في روما بين 4 و6 آب برعاية أميركية، وتركزت على الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الحدودية وانتشار الجيش اللبناني والآليات المرتبطة بالتنفيذ والمراقبة، بالتزامن مع استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
وتكتسب مواقف الراعي أهمية إضافية بعدما تزامنت محادثات روما مع تصعيد ميداني شمل إنذارات وعمليات قصف وتفجيرات في عدد من البلدات الجنوبية، وهو ما أثار تساؤلات لبنانية بشأن قدرة المسار التفاوضي على تحقيق تقدم في ظل استمرار العمليات العسكرية.
وعندما سُئل الراعي عن موقف حزب الله الرافض للمفاوضات في ظل التصعيد الإسرائيلي، واحتمال عودته إلى فتح الجبهة، أوضح أن البحث مع الرئيس لم يدخل في هذه التفاصيل.
وقال: “لم ندخل في كل هذه المواضيع”، مشيرًا إلى أن اللقاء اقتصر في هذا الجانب على مسار المفاوضات والموقف القائل بضرورة أن تتعاون إسرائيل بصورة أكبر مع الجهود القائمة.
كما كشف الراعي أن اهتمام الفاتيكان بلبنان شكّل محورًا من محاور البحث مع عون، مؤكدًا أن الكرسي الرسولي لا يزال يتابع الوضع اللبناني ويولي قضية لبنان أهمية خاصة، وأن المسؤولية تقع أيضًا على اللبنانيين في أن يكونوا على مستوى هذا الاهتمام.
ويأتي حديث الراعي بعد أيام من إشادة البابا لاوون الـ14 بتطويب الحويك، إذ دعا إلى أن ترافق شفاعته اللبنانيين وأن تحمل السلام إلى لبنان، مؤكدًا المكانة الخاصة التي يحتلها البلد لدى الفاتيكان.
ويضع لقاء بعبدا بذلك 3 ملفات متداخلة في الواجهة: المسار التفاوضي مع إسرائيل ومستقبل الجنوب، معاناة الأهالي والحاجة إلى إعادة الإعمار، والرهان على استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها، وهي عناوين اختصرها الراعي بالتأكيد أن المطلوب اليوم هو تعزيز الرجاء والثقة بلبنان بدل الاستسلام للواقع القائم.

