خرج الخلاف بين واشنطن وتل أبيب بشأن ما دار داخل اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى العلن، بعدما قدّم الطرفان روايتين متناقضتين بالكامل حول مناقشة مستقبل قطاع غزة وشروط نزع سلاح حماس، في وقت تتمسك فيه إسرائيل بإخراج جميع الأسلحة من القطاع شرطًا لأي تسوية، بينما تؤكد الإدارة الأميركية أن الملف كان حاضرًا بقوة خلال اللقاء.
وبحسب تقرير للصحافيين باراك رافيد ويرون أبراهام في القناة الإسرائيلية “N12″، تقول واشنطن إن غزة كانت من الملفات المركزية التي ناقشها ترامب ونتنياهو، وإن المفاوضات مع حماس تشهد تقدمًا، فيما سارعت مصادر إسرائيلية إلى نفي ذلك والتشديد على أن موقف تل أبيب لا يزال متشددًا وغير قابل للتنازل.
ويقوم الموقف الإسرائيلي على رفض أي صيغة فلسطينية داخلية تتيح الاحتفاظ بالسلاح، والمطالبة بإخراج جميع الأسلحة من قطاع غزة بصورة كاملة، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لأي اتفاق مستقبلي.
وقال مسؤول سياسي إسرائيلي رفيع إن موضوع قطاع غزة لم يُطرح أصلًا خلال المحادثة بين ترامب ونتنياهو.
وجاء هذا التوضيح الإسرائيلي على خلفية الفجوة التي ظهرت بين الموقف الإسرائيلي والتقارير التي عممتها حماس، إذ تحدثت الحركة عن صيغة يجري بموجبها تخزين الأسلحة الثقيلة لدى جهات فلسطينية لا تتبع للسلطة الفلسطينية، بينما تُنقل الأسلحة الخفيفة إلى قوات شرطة فلسطينية محلية.
في المقابل، وضعت إسرائيل خطًا أحمر واضحًا، يتمثل في إخراج جميع الأسلحة من قطاع غزة، وإنجاز نزع كامل للسلاح في المنطقة قبل الانتقال إلى أي تسوية.
وبحسب المسؤول الإسرائيلي، فإن “وثيقة النقاط الـ15” التي نوقشت أخيرًا لا تقدم استجابة كافية للمطالب الأمنية الإسرائيلية، وقد نقلت تل أبيب بالفعل اعتراضاتها المفصلة على الوثيقة إلى المبعوث توني بلير.
كما شدد المسؤول بصورة قاطعة على أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من “الخط الأصفر” داخل قطاع غزة قبل استكمال نزع سلاح حماس وتحقيق نزع كامل للسلاح في القطاع.
لكن الرواية الصادرة من واشنطن جاءت معاكسة تمامًا.
وأكد مسؤول أميركي رفيع في حديث إلى “N12” أن موضوع قطاع غزة كان حاضرًا بالفعل في صلب اللقاء بين ترامب ونتنياهو.
وقال إن المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف قدم خلال الاجتماع عرضًا مفصلًا حول التقدم المحقق، وقواعد التحرك في المفاوضات الجارية مع حماس بشأن نزع سلاح قطاع غزة.
إلا أن المسؤول الأميركي حرص في الوقت نفسه على توضيح أن إسرائيل ليست مطالبة، في المرحلة الحالية، بالانسحاب من “الخط الأصفر”.
وبالتوازي مع الخلاف العلني بين الروايتين، أصدر “مجلس السلام” بيانًا رسميًا أشار فيه إلى إحراز تقدم في المفاوضات، وعرض المبادئ الأساسية للخطة المقترحة لنزع سلاح غزة.
وجاء في البيان: “المناقشات مستمرة وتتقدم. وتشمل خريطة الطريق لتنفيذ الاتفاق تفكيك جميع الأسلحة، الثقيلة والخفيفة، من دون أي استثناء، إلى جانب تدمير الأنفاق ومستودعات الأسلحة ومنشآت تصنيع الوسائل القتالية”.
وأضاف: “في نهاية العملية، لن يكون لحماس أي دور في إدارة غزة، لا في العلن ولا من وراء الكواليس، وستتولى لجنة إدارة غزة كامل الصلاحيات وفق مبدأ سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد”.
وأكد البيان أن “كل خطوة ينفذها أحد الطرفين تتيح للطرف الآخر تنفيذ الخطوة التالية”.
وعلى الرغم من التصادم حول ملف غزة، فإن الجزء الأكبر من الاجتماع الذي عقد داخل المكتب البيضاوي، واستمر نحو 90 دقيقة، خُصص للملف الإيراني.
وخلال المحادثات، عبّر نتنياهو عن شكوكه في إمكان التوصل إلى اتفاق مع طهران، وشدد أمام ترامب على ضرورة زيادة الضغوط الاقتصادية على النظام الإيراني، الذي يعاني نقصًا في الوقود واحتجاجات داخلية، من خلال وسائل عسكرية وغير عسكرية.
وناقش الطرفان 3 خيارات يدرسها ترامب في التعامل مع إيران، هي التوصل إلى اتفاق سياسي، أو مواصلة الحصار البحري، أو استئناف الهجمات العسكرية وتكثيفها.
وأبلغ نتنياهو ترامب بأن إسرائيل سترد بصورة فورية وقوية في حال قررت إيران مهاجمتها.
وفي ما يتعلق بالساحة السورية، عرض نتنياهو أمام ترامب خريطة تظهر أن المساحة الواقعة تحت سيطرة تركيا داخل سوريا تفوق بـ50 مرة المساحة التي تسيطر عليها إسرائيل في جنوب البلاد، إذ تبلغ المساحة الخاضعة لتركيا نحو 5% من الأراضي السورية، مقابل 0.1% لإسرائيل.
وأكد نتنياهو أن إسرائيل ستواصل الاحتفاظ بالمنطقة العازلة في جنوب سوريا ما دام التهديد الصادر عن جماعات جهادية قائمًا.
كما ناقش الطرفان الاتفاق النووي الأميركي السعودي في إطار مسار تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.
ومن أبرز المقترحات التي طرحها نتنياهو خلال الاجتماع خطة تتعلق بمستقبل العلاقات الأمنية بين إسرائيل والولايات المتحدة.
واقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي بدء مسار تدريجي لخفض المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة إلى إسرائيل، وصولًا إلى إلغائها بالكامل خلال عقد، في إطار السعي إلى تحقيق استقلال أمني، واستنادًا إلى قراءته للتحولات الجارية في الخريطة السياسية الأميركية.
واقترح نتنياهو أن تتضمن مذكرة التفاهم الجديدة بين البلدين مساعدات مباشرة بقيمة 16 مليار دولار، إلى جانب مبلغ يتراوح بين 5 و10 مليارات دولار لدعم أنظمة الدفاع الجوي، وإنشاء صندوق مشترك للأبحاث والتطوير بقيمة 16 مليار دولار.
وفي سياق هذا التوجه، وجّه نتنياهو المؤسسة الأمنية إلى دراسة إمكان تطوير طائرة مقاتلة إسرائيلية مستقبلية خلال عقد، بهدف تقليص الاعتماد على توريد الطائرات من الولايات المتحدة.
وبين نفي إسرائيل أن يكون ملف غزة قد طُرح، وتأكيد واشنطن أنه كان في قلب الاجتماع، لا يبدو الخلاف محصورًا بتفصيل بروتوكولي، بل يكشف معركة على صياغة شروط اليوم التالي في القطاع، وعلى الجهة التي ستملك القرار والسلاح بعد انتهاء المواجهة.

