أعادت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة فتح باب النقاش حول توجهات دمشق في المرحلة المقبلة، سواء في ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل واحتمال التوصل إلى ترتيبات أمنية بين الجانبين، أو في ما يخص مقاربتها للملف اللبناني وسلاح حزب الله ودور الدولة اللبنانية.
وبين من يرى في هذه المواقف مؤشرات إلى تحول استراتيجي في السياسة السورية، ومن يضعها في إطار إعادة تموضع تفرضها المتغيرات الإقليمية والدولية، تتجه الأنظار إلى دلالات هذه الرسائل وانعكاساتها على المشهدين اللبناني والسوري.
في هذا السياق، يؤكد الكاتب والباحث في الشؤون الدولية والأمنية عزيز موسى، في حديث لـ”ليبانون ديبايت”، أن “المقاربة السورية التي طرحها الرئيس الشرع بشأن إمكانية التوصل إلى ترتيبات أمنية مع إسرائيل تستند إلى مجموعة من المرتكزات الأساسية، فمن جهة، يجري ربط أي اتفاق محتمل بضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من كامل المناطق التي احتلتها في الجنوب السوري بعد 8 كانون الأول 2024، ووقف مختلف أشكال الخروقات والاعتداءات التي تطال المواطنين في تلك المناطق، إلى جانب الحفاظ على خطوط حمراء ذات طابع سيادي ورمزي، وهو ما جرى التأكيد عليه أكثر من مرة ضمن مسار باريس التفاوضي المجمّد حاليًا”.
ويشير إلى أن “حديث الشرع عن ترتيبات أمنية وليس عن معاهدة سلام يعكس محاولة لتفادي الأعباء السياسية التي ترافق أي مسار تطبيع رسمي، لا سيما في ظل حساسية الشارع السوري والإقليمي تجاه هذا الملف، كما أن ربط أي اتفاق بمشاركة عدد من الدول يعكس سعي دمشق إلى توزيع المسؤولية السياسية لأي تفاهم مستقبلي مع إسرائيل، بدل تحمّلها منفردة، وهو ما يذكّر بأساليب التفاوض متعددة الأطراف التي اعتُمدت في محطات سابقة، من دون أن يعني ذلك تطابقًا في السياق أو المضمون”.
ومن زاوية أخرى، يلفت موسى إلى أن “هناك رهانًا على الضغط الأميركي، ولا سيما في ظل رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانسحاب إسرائيل من سوريا ولبنان، وهذا الموقف يعزز المقاربة السورية ويعكس في الوقت نفسه ترابط الملفات الإقليمية، خصوصًا مع إمكانية أن تشكل سوريا شريكًا موثوقًا للولايات المتحدة في عدد من الملفات السياسية والاقتصادية، الأمر الذي يتطلب استقرارًا داخليًا يتيح إعادة ترتيب الأوضاع السورية، كما يضاف إلى ذلك الدعم الإقليمي، ولا سيما من دول الخليج وتركيا، لفكرة الانسحاب الإسرائيلي ووضع حد لما تعتبره دمشق استغلالًا سياسيًا وضغوطًا تمارسها إسرائيل تجاهها”.
ويرى أن “المؤشرات الحالية توحي بأن هذه الترتيبات أقرب إلى نموذج احتواء الصراع منه إلى حل الصراع بالمفهوم التقليدي، أي أنها قد تقوم على آليات لضبط الاشتباك وإدارة التوتر، وربما إعادة إحياء صيغة قريبة من اتفاق فصل القوات لعام 1974 مع تعديلات ميدانية تأخذ في الاعتبار الواقع الجديد في الجنوب السوري، من دون أن ترتقي إلى مستوى معاهدة سلام بالمعنى القانوني والسياسي الكامل”.
وعن إعلان الشرع أن دمشق لا تعتزم أي تدخل عسكري في لبنان، يوضح موسى أن “هذا الموقف يندرج ضمن استراتيجية أوسع تنتهجها الحكومة السورية في مقاربتها للعلاقة مع لبنان، تقوم على إعادة تعريف هذه العلاقة والانتقال من منطق الوصاية والقطيعة مع إرث المرحلة السابقة إلى منطق الشراكة الفعلية”.
ويضيف أن “الإدارة السورية تدعم مركزية الدولة اللبنانية وضرورة حصر السلاح بيدها، كما تتعامل مع ملف سلاح حزب الله من زاوية سياسية وميدانية، خصوصًا عبر ضبط الحدود التي كانت تشكل في السابق أحد مسارات إمداد الحزب بالسلاح من إيران عبر العراق. ومن هذا المنطلق، فإن قطع هذا المسار يشكل، من وجهة نظر دمشق، إحدى أبرز الخطوات الداعمة لرؤية الدولة اللبنانية”.
ويتابع: “نفي الرئيس الشرع لأي تدخل عسكري لا يقتصر على كونه موقفًا مبدئيًا، بل يحمل أيضًا رسالة واضحة برفض لعب دور الوكيل الإقليمي في مواجهة حزب الله، وهو الدور الذي حاولت واشنطن وتل أبيب دفع دمشق إليه، بما يحمّلها كلفة المواجهة ويخفف الأعباء عن إسرائيل”.
ويعتبر موسى أن “هذا الموقف يعكس كذلك إدراكًا سوريًا للمخاطر الكبيرة التي قد يفرضها أي انخراط عسكري مباشر في لبنان على السلطة الجديدة في دمشق، التي لا تزال في مرحلة تثبيت الاستقرار الداخلي، كما أن التطورات الإقليمية الحالية، ولا سيما التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تفرض على سوريا تجنب أي مسار قد يؤدي إلى توسيع رقعة المواجهة لتشمل أراضيها، وهو ما يدفعها إلى اعتماد سياسة أكثر حذرًا تقوم على الحفاظ على التوازن وتفادي الانخراط المباشر”.
وفي ما يتعلق بدعم دمشق حصر السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية، يلفت موسى إلى أن “هذا الموقف يندرج ضمن رؤية أوسع تقوم على إنهاء جميع المظاهر المسلحة خارج إطار الدولة، والارتكاز إلى اتفاق الطائف بوصفه المرجعية القانونية المشتركة بين البلدين، وانطلاقًا من ذلك، يمكن أن تدعم دمشق أي مسار حوار بين اللبنانيين حول آليات تطبيق هذا المبدأ ومعالجة ملف السلاح، بما يضمن لجميع المكونات اللبنانية الحفاظ على أمنها ومجتمعها وخصوصياتها تحت سقف الدولة اللبنانية”.
ويشير إلى أن “هذا التوجه يعكس تحولًا جوهريًا في المقاربة السورية، من دور الوصي الأمني المباشر كما كان الحال قبل عام 2005، إلى دور الوسيط السياسي الداعم لمؤسسات الدولة اللبنانية والعلاقة المتوازنة معها”.
إلا أنه يلفت إلى أن “هذا التحول يبقى مرتبطًا بعاملين أساسيين: الأول أن مسألة حصرية السلاح تتصل أيضًا بحماية الأمن القومي السوري من تداعيات أي سلاح خارج إطار الدولة على الحدود المشتركة، وليس فقط بمبدأ سيادة الدولة اللبنانية. أما العامل الثاني، فيتعلق بالتقاطع الواضح بين هذا الموقف والموقف الأميركي الداعي إلى نزع سلاح حزب الله، ما يجعل الفصل الكامل بين البعد المبدئي والبعد الإقليمي لهذا الموقف أمرًا بالغ الصعوبة”.
وعن مدى خشية سوريا من انعكاسات أي فوضى أو حرب في لبنان على أمنها الداخلي، يؤكد موسى أن “أي توتر أمني أو سياسي في لبنان سينعكس حتمًا على سوريا، والتجارب التاريخية في هذا المجال عديدة وواضحة، لذلك فإن المصلحة السورية تكمن في استقرار لبنان ووجود دولة مركزية قادرة على إدارة التوازنات الداخلية والتعامل مع مختلف المكونات”.
ويشرح أن “هذا الأمر يرتبط بعدة اعتبارات، أبرزها ضبط الحدود المشتركة ومنع أي نشاط قد ينعكس على الداخل السوري، ولا سيما في المناطق الحدودية المتداخلة مع البقاع الشرقي، التي تشكل عمليًا امتدادًا مباشرًا لأي مواجهة قد تقع داخل لبنان، ما يجعل عزل سوريا عن تداعيات الأزمة اللبنانية أمرًا بالغ الصعوبة”.
ويضيف أن “البعد الثاني يتمثل في حرص دمشق على عدم الانجرار إلى تحقيق أهداف إسرائيلية قد تقوم على دفع المنطقة نحو مواجهات متبادلة تزيد من مستوى الفوضى، رغم استمرار الضغوط الأميركية والإسرائيلية عليها، أما البعد الثالث، فيرتبط بحساسية المرحلة التي تمر بها سوريا، والتي تتطلب بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون مع دول الجوار، وفي مقدمتها لبنان، بعيدًا عن تحويل الأراضي السورية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية”.
ويختم مؤكدًا أن “الخشية السورية لا تقتصر على تداعيات جانبية محدودة، بل تتعلق بإمكانية تحول الساحة اللبنانية إلى مصدر استنزاف مباشر للدولة السورية، سواء من خلال جرّها إلى مواجهة عسكرية غير مرغوبة، أو عبر تفكك المنظومة الأمنية على الحدود المشتركة إذا استمر تراجع قدرة الدولة اللبنانية على إدارة هذا الملف بمفردها”.

