رأى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم أن اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض شكّل ذروة المسار السياسي الذي اعتمده عون منذ وصوله إلى سدة الرئاسة، والقائم على خيار التفاوض والتسوية والدبلوماسية، معتبراً أن هذه المحطة، رغم أهميتها السياسية والإعلامية، تضع الرئيس أمام مسؤولية أكبر لإثبات جدوى هذا النهج عبر تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، في ظل استمرار التعثر الميداني وتزايد الضغوط الداخلية.
وقال بيرم، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، إن رئيس الجمهورية اختار منذ بداية ولايته الرهان على التفاوض باعتباره الطريق الوحيد لمعالجة الملفات العالقة، فيما كان حزب الله والثنائي الشيعي يعارضان هذا الخيار منذ البداية، انطلاقاً من قناعتهما بأنه لن يؤدي إلى نتائج فعلية.
وأشار إلى أن هذا المسار انتقل لاحقاً إلى مرحلة أكثر جدية من خلال مفاوضات غير مباشرة، عُقدت في إطارها ست أو سبع جلسات بصيغة “خمسة مقابل خمسة”، وأفضت إلى اتفاق على إطار تفاوضي، إلا أن المحطة الأبرز كانت استقبال الرئيس عون في البيت الأبيض ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
واعتبر أن مجرد حصول هذا اللقاء شكّل بحد ذاته حدثاً سياسياً مهماً، لافتاً إلى أن الرئيس عون سعى إلى استثماره إلى أقصى الحدود، ولا سيما بعدما كان يُقال سابقاً إنه لن يحظى بلقاء الرئيس الأميركي إلا إذا قدّم تنازلات إضافية، وأضاف أن الرئيس بات قادراً اليوم على القول إنه التقى ترامب، وإن الأخير استقبله وبحث معه ملفات عدة، بينها ممارسة الضغوط على إسرائيل للانسحاب.
إلا أن بيرم رأى أن هذا الإنجاز، وإن كان مهماً على المستوى السياسي والمعنوي، يحمّل رئيس الجمهورية مسؤولية أكبر، لأن الأنظار باتت تتجه إلى النتائج العملية، وليس إلى اللقاءات أو الصور. وقال إن الجميع يسأل اليوم: ماذا بعد زيارة البيت الأبيض؟ وما الذي تحقق فعلياً على الأرض؟
وأشار إلى أن الواقع الميداني لا يعكس حتى الآن أي تقدم ملموس، موضحاً أن الجيش اللبناني لا يزال يواجه صعوبات حتى في الدخول الى زوطر الغربية، وأن إسرائيل ما زالت تفرض شروطاً على عودة الأهالي، إذ سُمح بدخول مجموعات محدودة فقط وفق آلية تشترط إبلاغ الجانب الإسرائيلي مسبقاً بأسماء الداخلين، مستغرباً قبول الجيش بهذه الشروط، ومع ذلك لا تزال العودة الطبيعية للسكان غير ممكنة.
وأضاف أن هذا الواقع يطرح علامات استفهام حول جدوى المسار التفاوضي، فإذا كانت المناطق التي خرجت عملياً من الاحتلال لا تزال تعاني هذه التعقيدات، فكيف سيكون الوضع في المناطق التي لا تزال تحت الاحتلال؟ معتبراً أن رئيس الجمهورية أصبح اليوم أمام اختبار حقيقي لإثبات أن النهج الذي اعتمده منذ وصوله إلى الرئاسة قادر على تحقيق نتائج.
وفي المقابل، أكد بيرم أن حزب الله والثنائي الشيعي يراقبان التطورات بدقة، و”ناطرين الرئيس عا الكوع” مشيراً إلى أنهما يعتبران أن زيارة البيت الأبيض حققت نجاحاً إعلامياً ومعنوياً، لكنها في الوقت نفسه رتبت على رئيس الجمهورية التزامات أكبر، لأن أي نجاح سياسي يبقى ناقصاً إذا لم يترجم بإنجازات ميدانية.
وأوضح أن الثنائي الشيعي لا يتجه إلى مواجهة مع الجيش اللبناني أو مع رئيس الجمهورية، بل يحرص على تجنب أي صدام داخلي، انطلاقاً من قناعته بضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة، وأضاف أن المطلوب بالنسبة إليه هو تحقيق إنجازات يمكن البناء عليها، وهو ما سبق أن عبّر عنه رئيس مجلس النواب نبيه بري عندما طالب بوجود خطوات عملية وقال “يعملو انجازات ويحطو عا عيني”.
وأشار إلى أن حزب الله، في المقابل، لم يكن مقتنعاً أساساً بهذا المسار، وكان يرى منذ البداية أنه لن يفضي إلى النتائج المرجوة، ولذلك فهو يواصل الانتظار مع توجيه النصائح بضرورة مراجعة هذا الخيار، من دون الذهاب إلى مواجهة مع الدولة أو الجيش.
واعتبر أن الحزب سيتجه إلى تصعيد سياسي تدريجي كلما تعثر المسار التفاوضي أو أخفق في تحقيق أي تقدم ميداني، لافتاً إلى أن ذلك بدأ يظهر في مواقفه الأخيرة، ولا سيما في البيان الصادر عن كتلة الوفاء للمقاومة، والذي جاء بعد سلسلة من المواقف التصعيدية.
وأضاف أن وتيرة الانتقادات سترتفع كلما بقيت الوقائع على الأرض من دون تغيير، موضحاً أن حالة الاعتراض لا تقتصر على حزب الله، بل تشمل مختلف مكونات البيئة الشيعية، من حركة أمل إلى المرجعيات الدينية والقاعدة الشعبية، التي تشعر بأن الوعود التي قُدمت لم تتحقق، حتى ان بعض البيئة وصفت الرئيس بالخائن.
كما أشار إلى أن بعض الخطوات التي نُفذت أخيراً، ومنها زيارة رئيس الحكومة الى زوطر الغربية وزرع العلم اللبناني، أثارت استياءً داخل البيئة المحلية، لأنها جرت، بحسب ما يُتداول، من دون تنسيق مع رؤساء البلديات أو المعنيين في تلك المناطق، كأنها “تهريبة”.
وفي ما يتعلق بإمكانية عودة الحرب، أكد بيرم أن الوضع لا يزال غير مستقر، موضحاً أنه لا يمكن الحديث عن سلام دائم أو عن التزام إسرائيلي، في ظل استمرار الاحتلال ومواصلة الاعتداءات الإسرائيلية، وإن بوتيرة أقل من السابق، فضلاً عن استمرار منع عدد من الأهالي من العودة إلى قراهم.
ورأى أن احتمال اندلاع مواجهة واسعة يبقى مرتبطاً بالتطورات الإقليمية أكثر من ارتباطه بالساحة اللبنانية، موضحاً أنه في حال شنت إسرائيل هجوماً واسعاً على إيران، أو ردت طهران مباشرة على إسرائيل، فإن جميع الاحتمالات ستصبح مفتوحة.
وأشار إلى أن تجربة المواجهة الأخيرة أظهرت أن حزب الله تدخل في الحرب عندما توسعت المواجهة الإقليمية، ولذلك فإن أي تصعيد مباشر بين إيران وإسرائيل سيغيّر المشهد بالكامل، من دون أن يعني ذلك بالضرورة مشاركة الحزب حكماً في أي حرب مقبلة، لكنه سيجعل مختلف السيناريوهات أكثر ترجيحاً.
وختم بيرم بالتأكيد أن العامل الإقليمي الذي قد يقود إلى هذا السيناريو غير متوافر في الوقت الراهن، ولذلك فإن المشهد الحالي لا يزال محكوماً بتصعيد مضبوط، مع بقاء احتمالات الانفجار قائمة إذا تبدلت المعادلات الإقليمية.

