تعيش إسرائيل حالة متصاعدة من عدم اليقين، وسط استعدادات عسكرية مكثفة ومكلفة لا تستند إلى معلومات مؤكدة بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرر شن هجوم واسع على إيران، بل إلى السبب المعاكس تمامًا: غياب أي معرفة واضحة في تل أبيب بما قرره الرئيس الأميركي أو بما ينوي فعله خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب تحليل للصحافي رون بن يشاي في موقع “واي نت” الإسرائيلي، تخشى إسرائيل أن يتخذ ترامب قرارًا سريعًا بالتصعيد، ما قد لا يترك لسلاح الجو الإسرائيلي الوقت الكافي للاستجابة وفق المعايير العملياتية التي تريدها تل أبيب، وبما يكون متفقًا عليه أيضًا مع الولايات المتحدة، وهو ما يدفعها إلى تنفيذ استعدادات مسبقة مكلفة.
وتقدّر الأوساط الإسرائيلية أن ترامب لا يزال يرغب في العودة إلى التفاهمات الواردة في مذكرة التفاهم مع إيران، إلا أن البيت الأبيض يدرك أن مقترحات التسوية التي قدمتها قطر وسلطنة عُمان تخدم بصورة شبه كاملة المصالح الإيرانية.
وتتضمن هذه المقترحات وقفًا لإطلاق النار لمدة 10 أيام، يترافق مع تعليق الحصار الأميركي خلال الفترة نفسها، ما يسمح لإيران بتصدير النفط والحصول على البضائع عبر مضيق هرمز، إلى جانب الاستفادة من هدنة تخفف الضغط عن النظام.
في المقابل، لن تحصل الولايات المتحدة، وفق التقديرات الإسرائيلية، على مكسب فعلي من وقف إطلاق النار، لأن الحرس الثوري الإيراني لا يبدي استعدادًا للتنازل عن مطالبه المتعلقة بمضيق هرمز.
وتجد الإدارة الأميركية نفسها أمام خيارين سيئين: الأول تصعيد المواجهة ومهاجمة البنى التحتية الوطنية الإيرانية، على أمل دفع طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بموقف أكثر واقعية، والثاني القبول بمقترحات التسوية التي قدمتها قطر وسلطنة عُمان وباكستان.
وتكمن المشكلة في أن وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام لن يمنح واشنطن شيئًا، باستثناء احتمال توفير جزء من الذخائر ومنح القوات الأميركية استراحة من الضربات التي تستهدف الكويت والأردن والبحرين، إضافة إلى الجنود الأميركيين المنتشرين فيها، والذين يتعرضون بصورة متواصلة للهجمات.
لكن الولايات المتحدة ستجد نفسها بعد انتهاء الأيام الـ10 أمام الوضع نفسه القائم حاليًا.
ولهذا، ترى التقديرات في تل أبيب أن من الأفضل لترامب التصعيد الآن، فيما لا تزال تفصل نحو 3 أشهر عن انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، بدل أن يجد نفسه وسط تصعيد عسكري قريب من موعد الانتخابات أو خلال إجرائها.
ونقل التحليل عن مصدر موثوق قوله إن المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى إسرائيل لا تقتصر على حالة الغموض الكامل التي تسود تل أبيب بشأن نيات الرئيس الأميركي، بل تتمثل أساسًا في عجز الحكومة الإسرائيلية ورئيسها عن التأثير في قرارات ترامب، سواء باتجاه التصعيد أو التهدئة.
ويعود ذلك إلى أن نتنياهو يواجه، خلال الأيام الـ10 الأخيرة، صعوبة في إجراء اتصال مباشر مع ترامب، في حين كان الرجلان يتحدثان ويتشاوران هاتفيًا بصورة شبه يومية خلال الحرب وحتى فترة قريبة.
كما لم يحصل نتنياهو حتى الآن على موعد للقاء ترامب، رغم أنه كان يرغب في عقد الاجتماع قبل أسبوع.
ويربط التحليل هذا الانقطاع بالضغوط التي مارسها نتنياهو لمنع نقل مقاتلات “إف-35” إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يحظى بمكانة خاصة لدى ترامب، إضافة إلى تحركات معارضي الحرب داخل فريق الرئيس الأميركي، وفي مقدمتهم نائبه جي دي فانس.
ويعمل هؤلاء، وفق التقرير، على إقناع ترامب بأن نتنياهو يحاول جره إلى حرب لا تخدمه سياسيًا.
وبرز دليل واضح على القطيعة بين الرجلين خلال اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر هذا الأسبوع، عندما واجه المشاركون صعوبة في تقدير نيات البيت الأبيض أثناء بحث السيناريوهات المحتملة في المواجهة مع إيران.
وفي مرحلة معينة، غادر نتنياهو الغرفة لإجراء مكالمة هاتفية طويلة مع واشنطن، بهدف الحصول على معلومات أكثر حداثة وتفصيلًا بشأن نيات الشريك الأميركي.
لكن خلافًا لما كان يحصل في السابق، لم يتحدث نتنياهو في تلك الليلة مع ترامب، بل أجرى مكالمة مطولة مع وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يُعد أبرز داعمي إسرائيل داخل الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس الأميركي، بخلاف نائب الرئيس فانس الذي يُنظر إليه إسرائيليًا باعتباره معاديًا لتل أبيب.
كما جاء القرار الذي اتخذته واشنطن بإبرام اتفاق نووي مدني مع السعودية بمثابة صاعقة للقيادة الإسرائيلية.
ولا يعود ذلك فقط إلى أن معلومات استراتيجية قادرة على تغيير قواعد اللعبة وصلت إلى إسرائيل عبر وسائل الإعلام الأميركية، بدل أن تنقلها الإدارة مباشرة، بل أيضًا إلى أن إدارة ترامب تخلت عن شرط مطالبة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بتطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل توقيع الاتفاق النووي.
وخلال عهد الرئيس السابق جو بايدن، كان انضمام السعودية إلى اتفاقات أبراهام شرطًا نهائيًا لإبرام اتفاق نووي مدني معها، إلا أن هذا الشرط اختفى الآن.
ويحاول المستوى السياسي في تل أبيب الحصول على معلومات بشأن نيات واشنطن عبر الجيش الإسرائيلي، لكن كبار الضباط الذين يتحدثون أحيانًا بعبارات مبالغ فيها عن متانة علاقاتهم مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» لا يستطيعون تقديم المساعدة.
ويعود ذلك ببساطة إلى أن قائد «سنتكوم» براد كوبر وفريقه لا يعرفون بدورهم ما الذي قرره الرئيس، أو أنهم تلقوا تعليمات بالمحافظة على السرية وعدم كشف المعلومات.
وبذلك، تعيش إسرائيل أيامًا من عدم اليقين لا تعكس فقط غموضًا بشأن قرار ترامب في الملف الإيراني، بل تكشف أيضًا عن قطيعة غير صحية بين القيادتين في تل أبيب وواشنطن، يُرجح أنها ناتجة من فقدان الرئيس الأميركي جزءًا كبيرًا، وربما شبه كامل، من ثقته بنتنياهو.

