تتزايد علامات الاستفهام حول موقع المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي ودوره الفعلي في إدارة الجمهورية الإسلامية، وسط تقارير متضاربة عن مكان وجوده وحالته الصحية، في وقت تؤكد مصادر أمنية إسرائيلية أنه لا يزال داخل إيران، حيًا ومصابًا، ويواصل إصدار التعليمات، وإن كان نفوذه الفعلي محدودًا وتحت تأثير متزايد للحرس الثوري.
وبحسب تقرير للصحافي إيتمار آيخنر في موقع “واي نت” الإسرائيلي، أثارت سلسلة تقارير متناقضة نُشرت خلال الأيام الأخيرة بشأن وضع مجتبى خامنئي ومكان وجوده تساؤلات حول مركز صنع القرار في طهران، ومدى سيطرته الفعلية على مؤسسات الحكم.
وبدأت الضجة بعد أن نُقل عن «مصدر أمني إسرائيلي» قوله إن خامنئي لا يوجد أصلًا داخل إيران، إلا أن أي جهة رسمية في إسرائيل لم تؤكد هذا الادعاء.
ووفق التقرير، فإن الرسائل والتوجيهات المنسوبة إلى خامنئي يكتبها فعليًا قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي ومسؤولون كبار آخرون في القوة.
غير أن مصادر أمنية إسرائيلية مطلعة على الملف نفت هذه الرواية، وقالت إن المعلومات الموجودة لدى إسرائيل تشير إلى أن خامنئي حي وموجود داخل إيران.
وقال أحد هذه المصادر: «هو مصاب، لكنه على قيد الحياة، ويواصل إصدار التعليمات، وفي إيران لا يزالون ينتظرون موقفه وتوجيهاته».
ولم يظهر خامنئي علنًا منذ محاولة اغتياله في الضربة الافتتاحية لعملية «زئير الأسد»، التي قُتل خلالها والده المرشد الأعلى علي خامنئي، فيما تُنقل مواقفه إلى الرأي العام من خلال بيانات مكتوبة فقط.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد أفادت قبل نحو أسبوعين بأن هذا النمط من إدارة الظهور يثير تساؤلات داخل إيران حول الجهة التي تدير الدولة فعليًا.
ورأى مصدر أمني إسرائيلي أن سلوك خامنئي لا يدل بالضرورة على فقدانه السيطرة، بل قد يكون نابعًا من خشيته من محاولة اغتيال إسرائيلية.
وقال المصدر: «الرجل ليس في كامل عافيته. وهو يتصرف بطريقة تجعل الوصول إليه بالغ الصعوبة، ومن بين أهداف ذلك عدم كشف مكان وجوده».
وفي المقابل، قال مسؤول إسرائيلي رفيع آخر: «مجتبى داخل إيران. هو مصاب وشخصية ضعيفة جدًا يديرها وحيدي. إنهم يتعمدون بناء الغموض حوله، لكن الحقيقة أن وحيدي هو من يكتب له كل شيء، وهو ليس فعلًا شخصية مهمة».
وتعتقد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن أحد أسباب السلوك غير الاعتيادي لخامنئي يتمثل في محاولة النظام إخفاء مكانه لأسباب أمنية.
ومع ذلك، تقر مصادر إسرائيلية بأن غيابه المستمر عن العلن واستمرار الغموض حول وضعه يبعثان في الخارج بصورة تعكس ضعفًا وغيابًا للقيادة في مرحلة شديدة الحساسية.
ويضاف إلى ذلك أن خامنئي لم يشارك في جنازة والده، وهو حدث اعتبرته جهات إسرائيلية بالغ الغرابة، ورأت فيه مؤشرًا إلى وجود مشكلة حقيقية في قمة السلطة الإيرانية، حتى لو كان سبب الغياب أمنيًا.
ويرى الباحث في الشأن الإيراني في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي “INSS” بني سبتي أن خامنئي لا يزال يشارك في اتخاذ القرارات، إلا أن قوته محدودة.
وقال سبتي: «هو ليس مثل والده، الذي كان دائمًا بيضة القبان بين التيارات المتشددة والمعتدلة. رغم أنه يعمل ذهنيًا ويصدر التعليمات، فإنه معطّل إلى حد كبير على يد رجال الحرس الثوري. ومن إعطاء التعليمات إلى تنفيذها كاملة وقبول ما يقوله، لا تزال هناك مسافة».
وتنسجم هذه التقديرات مع انطباعات مسؤولين إسرائيليين يعتبرون أن خامنئي، رغم استمراره عنوانًا رسميًا للقرارات، شهد تراجعًا في نفوذه الشخصي مقابل ازدياد تأثير الحرس الثوري بصورة ملحوظة منذ توليه المنصب.
وفي موازاة ذلك، أفادت تقارير في روسيا بأن الاتصال الدولي الأول لخامنئي قد يكون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ونقلت وكالة «تاس» عن مصدر إيراني أن الرجلين قد يجريان قريبًا اتصالًا هاتفيًا أو حتى لقاءً مباشرًا.
وكرر المصدر الإيراني رواية أن خامنئي لا يظهر علنًا «بسبب الوضع العسكري والاعتبارات الأمنية».
وفي حال تم بالفعل أول تواصل بين خامنئي وبوتين، فإن ذلك سيحمل، بحسب التقرير، رسالة واضحة من طهران بشأن الأهمية التي توليها لتحالفها الاستراتيجي مع موسكو خلال مرحلة انتقال القيادة والتحديات الأمنية.
وفي الوقت نفسه، تتجنب إسرائيل استخلاص نتائج حاسمة، إذ يرى بعض المسؤولين أن الحديث عن وجود خامنئي خارج إيران قد يكون جزءًا من «بالون اختبار» أو من حرب الوعي الدائرة بين الأطراف.
إلا أن التقدير السائد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يفيد بأن خامنئي حي، وموجود داخل إيران، ولا يزال مشاركًا في اتخاذ القرارات تحت قيود أمنية مشددة، في وقت تواصل فيه قوة الحرس الثوري التوسع على حساب سلطته الشخصية.
وكان مجتبى خامنئي قد أصيب في الضربة الافتتاحية للحرب، ومنذ ذلك الحين يختبئ في مكان سري، فيما أشارت تقارير إلى أن وجهه تعرّض لحروق شديدة.
وخلال الأيام الأخيرة، حاول تهدئة الأوضاع في إيران على خلفية جنازة والده، من خلال بيان مكتوب نشره، إلا أن أنصار التيار المتشدد طالبوا برؤية وجهه أو سماع صوته، وهو ما لم يفعله حتى الآن.
وبين غياب الصورة والصوت، وتزايد نفوذ الحرس الثوري، يبقى مجتبى خامنئي حاضرًا في قمة النظام بالصفة، بينما تتكاثر الشكوك حول من يمسك فعليًا بمفاتيح القرار في طهران.

