خاص JNews Lebanon
بين ليلة وضحاها، دخلت المنطقة مدار “حرب مضبوطة” وتبادل للرسائل النارية فوق الفالق الأميركي – الإيراني؛ فبالتزامن مع مراسم التشييع المليونية للمرشد الراحل السيد علي الخامنئي في طهران ومشهد، تدرج الكباش الميداني من غارات أميركية موضعية استهدفت أكثر من 80 هدفاً للحرس الثوري، إلى رد إيراني مباشر بعشرة صواريخ باليستية استهدفت قاعدة “الأزرق” الجوية في الأردن وقواعد أخرى في الكويت والبحرين. وعلى الرغم من نعوة الرئيس دونالد ترامب “اللفظية” لمذكرة التفاهم، إلا أن بقاء الأبواب مواربة أمام مبعوثيه كوشنر وويتكوف يؤكد أن الطرفين يتحركان تحت سقف “التفاوض على النار” لتثبيت المعادلات قبل الانتخابات النصفية الأميركية.
لكن الحدث الأبرز الذي يضعه JNews Lebanon تحت مجهر القراءة الصباحية، هو نجاح لبنان الرسمي في عزل مظلته السيادية عن “حريق هرمز”، منتقلاً من مرحلة “الشروط السياسية” إلى مرحلة “الآليات التنفيذية الميدانية”، وسط حراك دبلوماسي استثنائي شهدته المقار الرئاسية في بعبدا وعين التينة والسراي الحكومي.
السفير عيسى في بعبدا: وفد عسكري أميركي في بيروت خلال أيام
علم موقع JNews Lebanon من مصادر دبلوماسية وثيقة الاطلاع، أن الساعات الأخيرة حملت تطوراً بالغ الأهمية جرى التكتم عليه؛ حيث أبلغ السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، أن وفداً عسكرياً أميركياً رفيع المستوى سيصل إلى بيروت غضون أيام قليلة.
وتكشف معلوماتنا الحصرية أن مهمة هذا الوفد العسكري لن تكون سياسية، بل لوجستية وميدانية بحتة، وتتركز حول التنسيق المباشر مع قيادة الجيش في اليرزة لتحديد “آلية التنفيذ على الأرض” ومنع حدوث أي فراغ أمني أو عسكري لحظة انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة المحددة كـ “مناطق تجريبية” (قطاع الزوطرين). وبحسب المصادر، فإن نتائج اجتماعات هذا الوفد في بيروت هي التي ستحدد ساعة الصفر لبدء التطبيق الفعلي على الأرض.
فك لغز “روما”: طابع تنظيمي بلا عسكريين لبنانيين!
وفي السياق عينه، فكّ السفير الأميركي طلاسم نقل المفاوضات إلى العاصمة الإيطالية روما يومي 14 و15 تموز الجاري. وعلمت JNews أن الانتقال جاء لأسباب تقنية بحتة لتسهيل حركة الوفود والسفراء، وأن جولة روما ستكون ذات طابع “تنظيمي وتنفيذي” بحت، ولن تضم عسكريين لبنانيين بل وفداً مدنياً سياسياً وقانونياً.
المفاوضات في روما ستركز على وضع “خريطة طريق” للملفات العالقة، وتشكيل فرق عمل متخصصة (قانونية وتقنية) لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً في واشنطن. ويأتي هذا التطور ليؤكد مرونة الدبلوماسية اللبنانية؛ فبعد أن كان لبنان يشترط الانسحاب الإسرائيلي المسبق للمشاركة، تم التوافق على أن يسير مسار روما التنظيمي بالتوازي مع وصول الوفد العسكري الأميركي إلى بيروت لترتيب الانسحاب ميدانياً، مما يضمن عدم تجميد الدينامية التفاوضية، ويمهد الأرضية لقمة الـ 21 من تموز بين الرئيسين عون وترامب في البيت الأبيض.
كواليس عين التينة: هجمة بري المرتدة و”رسالة السراي” الصارمة لإيران
المشهد اللبناني لم يخلُ من الإشارات السياسية العميقة؛ ففي عين التينة، كشفت مصادر JNews Lebanon عن كواليس اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري بالسفير عيسى. فبعد مغادرة الأخير دون تصريح، تسربت “دعابة سياسية” ذات دلالات أمنية؛ إذ أبلغ “النبيه” السفير الأميركي بوجود 22 سفيراً أوروبياً بضيافته في عين التينة لحشد الدعم، ليرد عيسى بذكاء ودبلوماسية: “إيه.. أنا جايي لوحدي”، في إشارة واضحة إلى الثقل الأميركي الأحادي والمباشر في رعاية هذا الملف.
بالتوازي، فرمل لبنان الرسمي محاولة إيرانية واضحة لإعادة خلط الأوراق؛ حيث زار وفد دبلوماسي إيراني بيروت تحت غطاء المشاركة في تأبين المرشد. وحاول الوفد جرف المراجع الرسمية نحو موقف داعم لطهران، إلا أن رئيس الحكومة نواف سلام أحال اللقاء إلى نائبه طارق متري، فيما اعتذر وزير الخارجية بداعي السفر. وصدرت من السراي رسالة سيادية صارمة للوفد الإيراني تؤكد: “نية لبنان المطلقة في بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها من منطلق السيادة الكاملة والاستقلال الفعلي عن أي احتلال أو هيمنة خارجية”، لتقطع بيروت الطريق أمام أي محاولة لاستغلال ساحتها كصندوق بريد.
قبرص وتركيا: دبلوماسية “ترميم أوراق القوة”
وعلى ضفاف دبلوماسية أخرى، سجل المراقبون حراكاً لبنانياً متزامناً وموزعاً بين بلدين جارين متخاصمين تاريخياً: قبرص وتركيا. وتؤكد مصادرنا أن هذا التحرك الهادف يمثل استراتيجية جديدة يقودها الحكم في لبنان للإفادة من كل أوراق القوة الإقليمية، وترميم العلاقات الخارجية، وحشد أكبر طوق من الطاقات والمواقف الدولية الداعمة للمسيرة السيادية الحالية والمستقبلية، استعداداً لمرحلة ما بعد الاتفاق النهائي.
إذاً، لبنان دخل رسمياً مرحلة “التنفيذ التقني”؛ فالخطوط مرسومة، والوفد الأميركي العسكري سيتسلم الإحداثيات على الأرض في بيروت، بينما تصيغ لجان روما البنود القانونية، ليبقى جيب الوطن محصناً بالدبلوماسية الذكية والوثائق الرقمية، بانتظار قمة واشنطن الحاسمة.

