في وقت لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية ومالية وسياسية متلاحقة، تكشف المؤشرات الرقمية عن وجه آخر للبلاد، عنوانه القدرة السريعة على التكيّف مع التحولات التكنولوجية العالمية. فبينما تتراجع معظم المؤشرات التنموية، يحقق لبنان تقدماً لافتاً في مجال تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، واضعاً نفسه في مصاف الدول الأكثر استخداماً لهذه التكنولوجيا على مستوى العالم.
فقد صنّف معهد مايكروسوفت لاقتصاد الذكاء الاصطناعي (AIEI) لبنان في المرتبة الثالثة والثلاثين عالمياً من أصل 147 دولة ضمن مؤشر تبني الذكاء الاصطناعي العالمي خلال الربع الأول من عام 2026، كما جاء في المرتبة الثانية بين الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، والخامسة عربياً.
وتكمن أهمية هذا التصنيف، بحسب الخبراء،٠ في أنه لا يقيس القدرات التقنية للدول أو حجم استثماراتها في التكنولوجيا أو مراكز الأبحاث، بل يركز على الاستخدام الفعلي لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بين السكان. بمعنى آخر، فإن المؤشر يرصد مدى انتشار هذه التكنولوجيا في الحياة اليومية والعمل والتعليم والإنتاج، وهو ما يمنح النتائج بعداً عملياً يعكس سلوك المجتمعات أكثر مما يعكس سياسات الحكومات.
أرقام تتحدى الواقع
تشير البيانات إلى أن 27.3 في المئة من اللبنانيين في سن العمل استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، وهي نسبة تتجاوز بشكل واضح المتوسط العالمي البالغ 19.1 في المئة، كما تفوق المعدل العربي البالغ 22 في المئة، وأكثر من ضعف متوسط الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط الذي بلغ 12.1 في المئة.
ورغم أن لبنان لا يزال بعيداً عن دول الخليج التي سجلت متوسطاً بلغ 37.8 في المئة، إلا أنه تجاوز بفارق كبير متوسط الدول العربية غير الخليجية البالغ 14.8 في المئة، ما يعكس دينامية استثنائية في تبني التكنولوجيا الحديثة.
الأكثر دلالة أن لبنان تمكن من تسجيل معدلات استخدام أعلى من دول تتمتع ببنى تحتية رقمية أكثر تطوراً وقدرات اقتصادية أكبر مثل البرتغال وعُمان وفيتنام، وهو ما يطرح تساؤلات حول العوامل التي تدفع اللبنانيين إلى الإقبال الكثيف على أدوات الذكاء الاصطناعي رغم محدودية الإمكانات.
لماذا يتبنى اللبنانيون الذكاء الاصطناعي بهذه السرعة؟
يرى خبراء التكنولوجيا أن الأزمة الاقتصادية نفسها قد تكون أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا الانتشار. فمع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص العمل التقليدية، أصبح الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى آلاف اللبنانيين أداة لتعزيز الإنتاجية وخفض الكلفة وفتح

