في سويسرا، جلس الأميركي والإيراني يتفاوضان. ناقشا النووي والعقوبات ومضيق هرمز والأموال الإيرانية المجمدة. كل ذلك طبيعي في إطار صراع مزمن بين واشنطن وطهران. لكن غير الطبيعي أن يكون لبنان نفسه بنداً على طاولة المفاوضات.
ليس كدولة مشاركة. وليس كطرف صاحب قرار. بل كملف يجري التفاوض عليه.
خلال المفاوضات التي استمرت نحو 18 ساعة، برز اقتراح إنشاء “خلية منع تصعيد” خاصة بلبنان، تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان بإشراف قطري – باكستاني، مهمتها متابعة تنفيذ وقف العمليات العسكرية ومنع أي تصعيد جديد.
هنا تكمن المشكلة.
فالمسألة لا تتعلق بآلية تقنية أو غرفة تنسيق أمنية. المسألة أن لبنان دخل رسمياً إلى صلب التفاوض الأميركي – الإيراني. لم يعد ملفاً هامشياً يتأثر بالاتفاقات، بل أصبح جزءاً من الاتفاق نفسه.
والأخطر أن مصادر إيرانية ربطت استمرار المفاوضات بمسألة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، فيما تصر إسرائيل على البقاء داخل ما تسميه “المنطقة الأمنية”. أي أن الجنوب اللبناني بات ورقة تفاوض بين طهران وتل أبيب وواشنطن، فيما الدولة اللبنانية تكاد تكون الغائب الأكبر عن النقاش.
هنا يفرض السؤال نفسه: من أعطى إيران حق التفاوض باسم لبنان؟
قد يقال إن إيران تدافع عن مصالحها لا عن لبنان. هذا صحيح. لكن عندما يصبح الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية مطلباً تفاوضياً إيرانياً، وعندما تتحول الجبهة اللبنانية إلى “الاختبار الأول” لأي تفاهم أميركي – إيراني، يصبح لبنان عملياً جزءاً من الصفقة.
لكن المسؤولية لا تقع على طهران وحدها.
فالولايات المتحدة التي لم تترك مناسبة إلا وتحدثت فيها عن سيادة لبنان واستقلاله، هي نفسها التي جلست تبحث مستقبل الجنوب اللبناني مع إيران. فكيف يمكن لواشنطن أن تتحدث عن حماية السيادة اللبنانية فيما تتعامل مع لبنان كملف تفاوضي ضمن تسوية إقليمية؟
الأمر لا يقتصر على تناقض سياسي، بل يتجاوز ذلك إلى انتقاص واضح من مفهوم الدولة اللبنانية نفسها. فحين تبحث دولتان مصير جزء من أراضي دولة ثالثة، من دون أن تكون هذه الدولة صاحبة القرار الفعلي في النقاش، تصبح السيادة مجرد شعار للاستهلاك الدبلوماسي.
الأكثر خطورة أن كل ذلك يجري وسط صمت لبناني رسمي يكاد يكون مطبقاً.
لا اعتراض. لا استيضاح. لا موقف سياسي. لا مطالبة بتفسير كيفية إدراج لبنان في مفاوضات لا يجلس إليها بصفته صاحب القضية.
وكأن الدولة اللبنانية سلّمت مسبقاً بأن الآخرين هم من يقررون مصير الجنوب وحدوده وترتيباته الأمنية.
وفي موازاة مفاوضات سويسرا، تستمر المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن برعاية أميركية. وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل هذه المفاوضات منفصلة فعلاً عما يجري بين واشنطن وطهران؟ أم أنها المسار التنفيذي لترتيبات يجري إعدادها في الغرف المغلقة؟
لا أحد يملك جواباً قاطعاً. لكن الوقائع تفرض الشكوك. فكلما تقدم الحوار الأميركي – الإيراني، عاد الجنوب اللبناني إلى واجهة البحث. وكلما اقترب الحديث عن تفاهمات إقليمية، تحولت الحدود الجنوبية إلى بند تفاوضي أساسي.
في النهاية، قد تنجح “خلية منع التصعيد” في منع الحرب، وقد تفشل. لكن المشكلة الحقيقية ليست هنا.
المشكلة أن لبنان، الدولة العضو في الأمم المتحدة، أصبح موضوعاً للنقاش بين الآخرين أكثر مما أصبح صاحب قرار في قضاياه الوطنية.
وعندما تتحول دولة إلى بند على طاولة تفاوض إقليمية، لا يعود السؤال عن نجاح “خلية منع التصعيد” أو فشلها، بل عن مصير السيادة نفسها.
فأي دولة هذه التي يتفاوض الآخرون على أرضها وحدودها وأمنها، فيما أصحابها يكتفون بالمشاهدة؟

