اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تسمح إسرائيل لسوريا بـ”التعامل مع حزب الله”، معتبراً أن دمشق قادرة على إنجاز المهمة بصورة أفضل. ويتناول هذا الكلام بصورة مباشرة ملفاً لبنانياً يتعلق بالأمن والسيادة والتوازنات الداخلية.
لكن بعيداً عن مضمون الاقتراح نفسه، برز أمر آخر لا يقل أهمية، وهو حجم الصمت الذي رافقه في الداخل اللبناني. فالتصريح الذي يتناول دوراً خارجياً في التعامل مع قضية لبنانية حساسة مرّ من دون ردود الفعل السياسية التي اعتاد اللبنانيون سماعها عند صدور مواقف مشابهة من عواصم أخرى.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يرتبط الاعتراض على التدخلات الخارجية بطبيعتها، أم بهوية الجهة التي تصدر عنها؟
فالسيادة ليست مفهوماً قابلاً للتجزئة، ولا يمكن أن تتبدل تبعاً للتموضع السياسي أو لطبيعة العلاقة مع هذه الدولة أو تلك. فالمبدأ الذي يُعتمد في مواجهة طهران يجب أن يُعتمد في مواجهة واشنطن، والموقف الذي يُرفع بوجه دمشق يجب أن يُرفع بالمعيار نفسه تجاه أي عاصمة أخرى تتناول الشأن اللبناني أو تتحدث عن مستقبله الأمني والسياسي.
وقد شهد لبنان خلال السنوات الماضية تصريحات ومواقف متعددة صادرة عن أطراف إقليمية ودولية تناولت أوضاعه الداخلية وسلاح حزب الله ودوره الإقليمي ومستقبل الدولة اللبنانية. إلا أن ردود الفعل لم تكن دائماً على المستوى نفسه، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ثبات المعايير المعتمدة في مقاربة مفهوم السيادة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن جزءاً أساسياً من أزمة السيادة في لبنان ارتبط طوال سنوات بخروج قرارات مصيرية من إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وهو ما ساهم في إضعاف الدولة وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية بمختلف أشكالها. غير أن معالجة هذا الخلل لا تكون عبر القبول بتدخل خارجي جديد أو التغاضي عنه، بل عبر تعزيز دور الدولة واستعادة موقعها الطبيعي كمرجعية وحيدة للقرار الوطني.
لذلك لا يمكن رفض تدخل خارجي والتغاضي عن آخر، كما لا يمكن بناء دولة قوية عبر استبدال نفوذ بنفوذ أو وصاية بوصاية. فالتدخل الأميركي مرفوض عندما يمس القرار اللبناني، كما أن التدخل الإيراني أو السوري أو الإسرائيلي مرفوض بالمعيار نفسه.
ومن هنا يصبح السؤال موجهاً أولاً إلى الدولة اللبنانية.
أين رئيس الجمهورية جوزيف عون؟ وأين رئيس الحكومة نواف سلام؟ وأين وزير الخارجية يوسف رجي؟ وأين الموقف الرسمي من كلام يتناول لبنان ودوره ومستقبله الأمني وكأن قراره الوطني ليس حقاً حصرياً لمؤسساته الدستورية؟
فالقضية لا تتعلق باسم الدولة التي صدر عنها التصريح، بل بحق لبنان في أن يكون صاحب القرار في شؤونه الوطنية. وهذا الحق لا يكتمل إلا من خلال موقف رسمي واضح يؤكد أن أي مقاربة تتعلق بمستقبل لبنان وأمنه يجب أن تمر عبر الدولة اللبنانية وحدها.
لهذا، كذب السياديون ولو صدقوا.
كذبوا لأن السيادة لا تُقاس بالشعارات ولا بالخطابات، بل بثبات الموقف ووحدة المعايير. والسيادة التي تُدافع عنها في مواجهة طرف وتتجاهلها في مواجهة طرف آخر تفقد الكثير من معناها السياسي والأخلاقي.
وفي بلد دفع أثمان الوصايات والحروب والصراعات الإقليمية لعقود طويلة، لا يمكن أن تكون السيادة شعاراً انتقائياً. فإما أن يكون القرار اللبناني حقاً حصرياً للدولة اللبنانية في مواجهة الجميع، وإما أن يبقى الحديث عن السيادة مجرد مادة إضافية في السجال السياسي.

