تتقدم الانتخابات المحلية في الولايات المتحدة هذه المرة كمرآة لانقسام أميركي أعمق حول إسرائيل، ترامب، والهوية السياسية للجاليات اليهودية. فمن واشنطن إلى لوس أنجلوس وأوكلاهوما، يجد الناخبون اليهود أنفسهم أمام معادلة غير مسبوقة: مرشحون تقدميون يوصفون بأنهم معادون لإسرائيل من جهة، ووجوه يمينية ذات رؤى دينية متطرفة من جهة أخرى.
وبحسب تقرير للصحافي دانيال أدلسون من نيويورك في موقع “واي نت” العبري، فإن الانتخابات المحلية في الولايات المتحدة تواصل وضع الناخبين اليهود في مأزق سياسي غير مسبوق. ففي واشنطن وأوكلاهوما ولوس أنجلوس، تجري السباقات المختلفة تحت التأثير الواضح للرئيس دونالد ترامب، وتُرغم المجتمعات اليهودية على المناورة بين مرشحي “ممداني” من اليسار التقدمي المعادين لإسرائيل، وبين رجال يمين يحملون تصورات لاهوتية متطرفة.
الصورة الأوضح جاءت مساء الثلاثاء من واشنطن دي سي، حيث أظهرت النتائج الأولية للانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي لرئاسة بلدية العاصمة الأميركية تقدمًا كبيرًا لعضو مجلس المدينة التقدمية جانيس لويس جورج، التي يُتوقع أن تفوز أيضًا في الانتخابات العامة لرئاسة البلدية، نظرًا إلى أن واشنطن تُعد من أكثر المدن “ديمقراطية” في الولايات المتحدة.
لويس جورج، البالغة 38 عامًا، والتي حظيت بلقب “ممداني واشنطن”، تحصل حاليًا على نحو 53% من أصوات المقترعين، فيما يتأخر منافسها الرئيسي في السباق، الديمقراطي المعتدل كينيان ماكدوفي، مع 37% فقط من الأصوات. ورغم أن الفرز الرسمي يُتوقع أن يستمر أيامًا إضافية بسبب اعتماد نظام التصويت التفضيلي الجديد ووجود كمية كبيرة من بطاقات الاقتراع بالبريد، ألقت لويس جورج خطابًا حماسيًا أمام مؤيديها أعلنت فيه أن “ما بدا كحلم بعيد يتحول الآن إلى تاريخ يتشكل أمام أعيننا”.
وجرت هذه الانتخابات المحلية في الأيام الأخيرة على وقع تهديدات مباشرة من الرئيس دونالد ترامب. فقبل نحو أسبوع من فتح صناديق الاقتراع، أعلن ترامب أنه يعارض بشدة ترشح اشتراكية في عاصمة الولايات المتحدة، وهدد بأن إدارته قد تسحب الحكم الذاتي من واشنطن وتديرها مباشرة على أساس فدرالي.
في واشنطن، بدا هذا التهديد مختلفًا عمّا يمكن أن يبدو عليه في أي مدينة أميركية أخرى. فالعاصمة ليست ولاية، وسكانها لا يتمتعون بتمثيل كامل في الكونغرس، كما أن حكمها المحلي قائم أصلًا تحت رقابة فدرالية مشددة أكثر بكثير مما هي الحال في نيويورك أو لوس أنجلوس أو شيكاغو. لذلك، تلامس تصريحات ترامب النقطة الأكثر حساسية لدى سكان دي سي.
لويس جورج، من جهتها، اختارت عدم التراجع أمام هذه التهديدات، وقالت إن تصريح الرئيس بأنه سيحرم المدينة من حكمها المحلي بناءً على رأيه الشخصي بالمرشحين يشكل هجومًا مباشرًا على الديمقراطية نفسها. وفي خطاب هجومي مساء الثلاثاء، قالت إن “سكان دي سي يريدون رئيسة بلدية تقف في وجه ترامب، وتفهم أننا لن نُخرج قوات إنفاذ قوانين الهجرة من شوارعنا عبر الخوف منه، ولن نقاتل من أجل استقلالنا ومكانتنا كولاية عبر الطاعة المسبقة”.
غير أن الفوز المتوقع للوييس جورج يثير قلقًا مستمرًا داخل أوساط الجالية اليهودية في واشنطن. ففي إطار استبيان داخلي لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا، وهي المنظمة نفسها التي دفعت بممداني نحو الفوز، أعلنت المرشحة بوضوح أنها ستمتنع عن المشاركة في فعاليات هدفها الترويج للصهيونية، وأنها سترفض إقامة علاقات رسمية مع حكومة إسرائيل أو مع مجموعات ضغط صهيونية.
ووصف قادة يهود محليون مطالب المنظمة بأنها “مانيفستو معادٍ للسامية” يهدف إلى وضع ثمن اجتماعي قائم على الإقصاء ضد اليهود. وحاولت لويس جورج عقد لقاءات تهدئة مغلقة مع حاخامات في المنطقة، لكنها تجنبت الإجابة عن أسئلة مباشرة طُلب منها خلالها توضيح موقفها من الصهيونية.
بعد وقت قصير، تبيّن أن ماكيا غرين، المديرة السياسية لحملة لويس جورج والموظفة الأعلى أجرًا في مقرها، شاركت بعد مجزرة 7 تشرين الأول منشورات وُصفت فيها إسرائيل بأنها “دولة وهمية”، وبعبارة “كلبة، سيئة جدًا”. كما أبدت غرين دعمًا علنيًا لحركة BDS، وشاركت مضامين تدافع عن المتمردين الحوثيين الذين يهاجمون إسرائيل.
وفي أوكلاهوما، تواجه الجالية اليهودية أيضًا صعوبة في تقبل نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري التي جرت مساء الثلاثاء في الدائرة الأولى للكونغرس، وهي دائرة تُعد جمهورية بوضوح وتشمل تولسا، ثاني أكبر مدينة في الولاية. فقد تأهل ممثل مجلس النواب المحلي مارك تيدفورد والقس المحافظ جاكسون لامير إلى الجولة الثانية، وسيتواجهان في نهاية آب في سباق هدفه وراثة مقعد عضو الكونغرس المتقاعد كيفن هيرن.
القس لامير، البالغ 34 عامًا، يُعد النجم الصاعد حاليًا في الحزب، وهو مؤسس حركة “قساوسة من أجل ترامب”، وحصل بطبيعة الحال على الدعم الرسمي من الرئيس الذي وصفه بأنه “مقاتل MAGA حقيقي” رافق الحركة منذ بداياتها. كما يُعد شخصية شعبية جدًا داخل الأوساط الإنجيلية وقادة الحزب مثل مايك جونسون، لكنه يثير جدلًا لدى الجالية اليهودية المحلية بسبب عظاته اللاهوتية المتطرفة.
ورغم اندفاعة ترامب خلفه، حلّ القس في المركز الثاني، متأخرًا بفارق 6% خلف تيدفورد، الذي يُعد أكثر تقليدية وخبرة. وساهم في ذلك الكشف خلال الأيام الأخيرة عن رسائل نصية “حميمية” أرسلها لامير إلى مسؤولة سابقة لجمع التبرعات في حملته. فقد وصفها بـ”اللطيفة” وطرح احتمال دعوتها إلى غرفته في الفندق. وردًا على النشر، أقر لامير بإرسال الرسائل، لكنه قال إنها “أُخرجت من سياقها، وأنا أتحمل المسؤولية عن تجاوز خط حدودي”.
وبعد ظهور مزاعم إضافية بأنه خان زوجته، نشر لامير ردًا رسميًا كتب فيه أن “هذا الموضوع عولج بالفعل بشكل خاص بيني وبين زوجتي كيندرا، عبر الاستشارة والصلاة إلى الله والمرشدين الروحيين”.
وفي الساحل الغربي للولايات المتحدة، وصلت انتخابات رئاسة بلدية لوس أنجلوس إلى نقطة حسم دراماتيكية مع صعود عضو مجلس المدينة التقدمية نيثيا رامان رسميًا إلى الجولة الثانية. رامان، البالغة 44 عامًا، وهي مخططة مدن أميركية من أصول هندية وخريجة جامعتي هارفارد وMIT، ستخوض في تشرين الثاني المقبل مواجهة مباشرة أمام رئيسة البلدية الحالية كارين باس.
وتحوّلت مواقف رامان السياسية، وخصوصًا تصريحاتها منذ اندلاع الحرب في غزة، إلى هدف لهجمات مستمرة من جانب أعضاء الجالية اليهودية في لوس أنجلوس، وهي واحدة من أكبر الجاليات اليهودية خارج إسرائيل. ورغم أنها أعلنت سابقًا أنها تؤمن بأن لإسرائيل حقًا في الوجود وأنها لا تدعم حركة BDS، سُئلت في مقابلة مع الستريمر المعادي للصهيونية حسن بيكر عن مواقفها من الشرق الأوسط، فأعلنت بشكل واضح أنها توافق على خلاصات منظمات حقوق الإنسان التي تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وعندما سُئلت عمّا إذا كانت تصف إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري، أجابت بكلمة واحدة: نعم. وأضافت أن حكومة نتنياهو، برأيها، “لا تتعامل مع البشر كبشر”.
هذه المواقف، إلى جانب إعلانها أنها لن تطلب بعد الآن دعم المنظمة اليهودية الصهيونية الليبرالية “ديمقراطيون من أجل إسرائيل”، التي تحركت سابقًا لمصلحتها، أحدثت شرخًا بينها وبين التيار الرئيسي ليهود المدينة.
وفي نهاية فرز طويل للأصوات شهد تقلبات كثيرة، تمكنت رامان من تجاوز نجم برامج الواقع الجمهوري المؤيد لإسرائيل سبنسر برات، الذي احترق منزله بالكامل في حي باسيفيك باليسيدس خلال الحرائق الضخمة التي ضربت المدينة العام الماضي. ودخلت رامان السباق قبل ساعات قليلة فقط من إغلاق باب الترشيحات، مستندة إلى قاعدة دعم واسعة من الشباب المحبطين من الأزمة العميقة في سوق السكن ومن عجز المؤسسة الديمقراطية القديمة.
ويصف كثير من الإسرائيليين واليهود في لوس أنجلوس الوضع بأنه “شعور بالمأزق”، مع خيار بين “مرشحين بدرجات مختلفة من الرمادي”، لا بين الأسود والأبيض. فمن جهة، خسرت رئيسة البلدية الحالية كارين باس جزءًا كبيرًا من دعمها داخل الجالية بسبب ما يُنظر إليه كإدارة فاشلة للمدينة، وغيابها أثناء الحرائق القاسية، وردها المتأخر على حوادث عنف وتظاهرات مؤيدة للفلسطينيين في الجامعات وخارج كُنُس المدينة. ومن جهة أخرى، تثير ترشيحات رامان خوفًا فعليًا من صعود قوى راديكالية إلى مواقع القرار.
وقالت امرأة يهودية من بيفرلي هيلز للموقع: “إنها الممداني خاصتنا”. وأضافت: “لدى الناخبين في المدينة الآن متعة الاختيار بين انعدام كفاءة كامل من جانب رئيسة البلدية باس، وبين راديكالية سياسية من جانب منافستها رامان. بالتوفيق لنا جميعًا”.
وبين واشنطن وأوكلاهوما ولوس أنجلوس، لا تبدو الانتخابات المحلية الأميركية مجرد تنافس بلدي محدود، بل اختبارًا سياسيًا واسعًا للجاليات اليهودية في زمن ترامب، حيث تتحول إسرائيل إلى معيار انتخابي حاد، ويضيق هامش الاختيار بين الخوف من اليسار الراديكالي والقلق من اليمين الديني المتطرف.

