مع تسارع التطورات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما على خط العلاقة بين واشنطن وطهران التفاهم المنجز والمرتقب توقيعه يوم الجمعة وانعكاساته على أكثر من ساحة، تبرز تساؤلات عديدة حول مستقبل لبنان وموقعه في خريطة التفاهمات الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق، قدّم الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي قراءة شاملة للمرحلة الراهنة، متناولًا تداعيات التفاهم الأميركي ـ الإيراني على لبنان.
وأكد الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي أن التفاهم الأميركي الإيراني سينعكس إيجابًا على لبنان إذا توقفت الحرب، لكنه تفاهم وليس معاهدة أو اتفاقًا يقتضي حضور رئيسي البلدين، إلا أنه توقف عند مدة التفاهم المحددة بستين يومًا، معتبرًا أن ذلك يطرح تساؤلات، منبهًا في هذا الإطار إلى أننا في عصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يعني أنه قد يبدّل ويغيّر الكثير من الأمور في إطار المناورات السياسية.
أما بالنسبة للبنان، فرأى أنه لا يحق لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أو لأي مسؤول إيراني التدخل في الشؤون اللبنانية، وقال: “كفانا وصايات، من السلطة الفلسطينية إلى حافظ الأسد وبشار الأسد، وكل قوى الممانعة الذين حوّلوا لبنان إلى ساحة ومنصة. ومن هذا المنطلق، فإن ما جرى من تصريحات من قبل مسؤولين إيرانيين هو تدخل مباشر في لبنان”.
وأشار إلى أن لبنان يدخل في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، وقد نصل إلى تسوية أو لا نصل، إنما ليس هناك تطبيع أو سلام منفرد وشامل، لأن ذلك يحتاج إلى إجماع عربي، ولبنان لن يخرج عن هذا الإجماع، وتحديدًا مع المملكة العربية السعودية وقطر وسواهما.
ولفت العريضي إلى أن قطر لعبت دورًا أساسيًا ومحوريًا في الوصول إلى التفاهم، وبالتالي وقف الحرب في لبنان وتحييده ودعمه، وخصوصًا الجيش اللبناني والقطاعات الطبية والتربوية وسواها، ما يعني أن قطر قد تكون أبرز من يهتم بالشؤون اللبنانية ومساعدة اللبنانيين في هذه الظروف الاستثنائية.
واستند إلى هذا الرأي من خلال ما قرأه عن الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، الذي انتقل بعد زيارته للبنان إلى قطر والتقى بوزير الدولة القطري، ما يعني أيضًا أن هناك تناغمًا وتماهيًا سعوديًا ـ قطريًا قد يحصل للمرة الأولى بهذا الشكل بين البلدين، حيث تفاعلت علاقاتهما الإيجابية، وهذا ما يترك ارتدادات مهمة جدًا على الصعيد اللبناني، لما تمثله السعودية وقطر من حضور خليجي وعربي وإقليمي ودولي بفعل علاقاتهما الطيبة مع عواصم القرار وسواها.
وفي سياق متصل، رأى العريضي إن “ما قاله النائب الطرابلسي الدكتور إيهاب مطر إنما هو محق وواضح جدًا، بمعنى أنه لا يحق لحزب الله أن يرفض المفاوضات وأن يهدد بإسقاط الحكومة، لأن هذه الحكومة خط أحمر، فهي ثمرة توافق دولي، وتحديدًا أميركي ـ سعودي. والمملكة العربية السعودية، ومن خلال زيارة الأمير يزيد بن فرحان، أكدت المؤكد بأنها حريصة على اتفاق الطائف، ولا بديل عنه إلا الطائف، وبمعنى آخر، وفق المعلومات التي استقاها مطر ، إلى أن زيارة بن فرحان كانت إيجابية، حيث إن المملكة تحافظ على التوازنات الداخلية، وعلى وثيقة الوفاق الوطني، ودعم الحكومة والوقوف إلى جانبها.
وأضاف: “لا إيران تتدخل ولا حزب الله في الشؤون اللبنانية، لأن لبنان بلد ذو سيادة، وبالتالي، فإن دول الخليج العربي وقفت إلى جانب لبنان في السراء والضراء، فيما إيران مدت حزب الله بالسلاح ودمّرت لبنان، وها هو الجنوب تحت الاحتلال”.
وفي سياق متصل، لفت العريضي إلى أن المرحلة المقبلة لا تزال ضبابية بالنسبة لوجود إسرائيل في الجنوب، فهل ستنسحب؟ وكشف هنا معطيات نقلها إليه مصدر أميركي مطلع تفيد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب محشور بالانتخابات النصفية، وبالتالي لا يمكنه الاستمرار في الحرب مع إيران، فذلك لا يقبله الشعب الأميركي ولا يحبذه، فيما إسرائيل تخسر إذا توقفت الحرب، لأنها كانت بصدد الوصول إلى أهدافها.
وأشار إلى معطيات تشير لوجود شريحة من الرأي العام الإسرائيلي لا تهمها الخسائر البشرية أو استمرار الحرب، بل الوصول إلى ما يحفظ أمن واستقرار إسرائيل، وعلى هذه الخلفية، فالعمليات والاغتيالات مستمرة، وكل شيء محتمل في هذه المرحلة.
لكن العريضي أكد أنه يجب مراقبة التفاهم بين واشنطن وطهران ليُبنى على الشيء مقتضاه خلال الأيام المقبلة حول كيفية تسييل هذا التفاهم، إنما لبنان لا يزال ساحة ومنصة إقليمية ودولية، ولم تتضح الأمور بعد حول الدور الإسرائيلي، متسائلًا: هل سيستمر؟ وهل ستبقى قرى وبلدات الجنوب بمثابة الشريط الأمني الذي كان سائدًا بعد اجتياح عام 1982؟
ورأى العريضي أن لبنان بحاجة إلى دعم لإغاثة النازحين والإعمار، وهذا هو بيت القصيد في هذه المرحلة، لكن هناك دورًا محوريًا وأساسيًا لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الحريص على أمن واستقرار كل بلدات الجنوب والنازحين، وهو ما يجسده مجلس الجنوب بشخص رئيسه المهندس هاشم حيدر، الذي يقوم بدور مفصلي ولم يقصّر منذ عملية النزوح والحرب، فثمة عمل على مدار الساعة في المجلس لمواكبة أوضاع النازحين وكل ما يتعلق بالجنوب، وذلك في ظل إمكانات شحيحة وظروف صعبة.
وتوقف العريضي عند ما يقوم به نائب بيروت نبيل بدر، الذي ومن خلال حكمته في إدارة شؤون العاصمة بعد النزوح وكل ما جرى، حافظ على عائلات بيروت وخصوصيتها، وبالتالي دعم النازحين، وشدد على أن بيروت كانت خطًا أحمر بعائلاتها واعتباراتها وخصوصيتها، والحفاظ على كل ما يعود إليها، والحفاظ على نسيجها الاجتماعي، وكذلك الدور الاجتماعي والإنساني الذي يقوم به في هذه المرحلة، معتبرًا أن المبادرات الذاتية التي تحصل في البلد هي الأساس، ولذلك نحن أمام مرحلة مغايرة عن السابق.
كما أشاد بدور نائب عكار وليد البعريني، الذي يشدد على دور الرئاسات والحكومة، ويشجب التطاول على مقام رئيس الحكومة والدعوة إلى استقالتها، وهو يرى أن الأهم هو الحفاظ على المؤسسات الرسمية والمؤسسات الأمنية والجيش اللبناني والوحدة الداخلية والعلاقة الطيبة مع السعودية ودول الخليج.

