في الوقت الذي تستعد فيه مجموعة الحبتور لإطلاق مشروع استثماري كبير في دمشق، بعد أشهر من الدراسات والتنسيق مع الجهات السورية المعنية، يجد لبنان نفسه في موقع مختلف تمامًا: دولة تواجه أحد أبرز المستثمرين العرب في أروقة التحكيم الدولي، وسط إصرار رسمي على خوض معركة قد تكون كلفتها المالية والسياسية باهظة.
المفارقة هنا لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فخلف الحبتور لم يخرج من المنطقة، ولم يتخلَّ عن الاستثمار العربي، ولم يفقد إيمانه بفرص الشرق الأوسط. على العكس، هو يعلن اليوم عن مشروع يصفه بأنه سيكون علامة فارقة في دمشق، ويؤكد استعداده لتوسيع استثماراته كلما توفرت الظروف المناسبة.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل لبناني على نفسه هو: إذا كان المستثمر نفسه مستعدًا لضخ مئات ملايين الدولارات في سوق تعيد بناء اقتصادها وتفتح أبوابها للاستثمارات، فلماذا فقد الثقة بلبنان، البلد الذي استثمر فيه لعقود، وشيد فيه فنادق ومشاريع شكّلت جزءًا من المشهد السياحي والاقتصادي اللبناني؟
الجواب لا يكمن في شخص المستثمر، بل في الرسالة التي ترسلها الدولة اللبنانية إلى العالم.
فالنزاع مع الحبتور ليس مجرد خلاف حول أرقام أو ودائع أو تفسير قانوني لاتفاقيات الاستثمار. فالقضية أعمق من ذلك بكثير. إنها اختبار لقدرة الدولة على إدارة علاقتها مع المستثمرين، والاعتراف بأن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي اقتصاد.
التاريخ اللبناني القريب يقدم دروسًا قاسية في هذا المجال. فالدولة دفعت أثمانًا كبيرة نتيجة سوء إدارة النزاعات الدولية، سواء في ملف المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، التي كلفت لبنان مئات ملايين الدولارات، أو في نزاعات قطاع الاتصالات مع شركات أجنبية مثل LibanCell وFrance Télécom، حيث دفعت الدولة أثمانًا مالية وسياسية نتيجة الدخول في نزاعات طويلة ومعقدة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تعلّمت الدولة من تجاربها السابقة، أم أنها تتجه مرة أخرى إلى معركة مكلفة من أموال اللبنانيين؟
لا أحد يدعو الدولة إلى التخلي عن حقوقها أو الاستسلام لأي مطالبة مالية. فمن حقها أن تدافع عن موقفها القانوني إذا كانت تمتلك عناصر دفاع قوية. لكن الدفاع عن الحق شيء، وتحويل القضية إلى معركة سياسية أو معركة كرامة شيء آخر تمامًا.
في قضايا التحكيم الدولية، لا يكفي أن تكون مقتنعًا بأنك على حق؛ بل يجب أن تسأل ببراغماتية: ما هي احتمالات الربح؟ وما هي كلفة الخسارة؟ وهل تسوية مدروسة اليوم أقل كلفة من حكم قد يصدر غدًا؟
هذا هو المنطق الذي تتبعه الدول التي تحترم أموال شعوبها. فالدولة لا تقاتل حتى آخر دولار من جيب مواطنيها فقط لإثبات موقف سياسي أو معنوي، بل توازن بين المبدأ والكلفة، وبين الانتصار القانوني والخسارة الاقتصادية.
الأكثر خطورة أن أي حكم سلبي في قضية الحبتور لن يكون مجرد مبلغ مالي يُدفع من الخزينة. إنه رسالة تصل إلى كل مستثمر عربي وأجنبي يراقب لبنان اليوم. الرسالة ستكون بسيطة: إذا دخلت إلى لبنان وحدث خلاف مع الدولة، فقد تجد نفسك بعد سنوات أمام نزاع طويل، بينما تبقى حقوقك معلقة في بلد يعاني أصلاً أزمة ثقة عميقة.
ولذلك، فإن القضية لا تتعلق بالحبتور وحده. إنها تتعلق بصورة لبنان في مرحلة هو بأمسّ الحاجة فيها إلى استعادة الاستثمار، وخلق فرص العمل، وجذب الرساميل، لا إلى إرسال إشارات إضافية تنفّر المستثمرين.
المفارقة المؤلمة أن دمشق، التي تدخل اليوم مرحلة إعادة إعمار وبناء اقتصاد جديد، تحاول أن تجذب المستثمر نفسه الذي يخوض نزاعًا مع بيروت. أما لبنان، الذي كان يُعرف يومًا بأنه مركز المال والأعمال في المنطقة، فيخاطر اليوم بأن يتحول إلى نموذج لكيفية خسارة المستثمرين قبل حسم النزاعات.
في النهاية، السؤال ليس: هل يربح الحبتور أم تربح الدولة اللبنانية؟
السؤال الحقيقي هو: هل يربح الشعب اللبناني من خوض معركة قد تنتهي بدفع المزيد من الأموال من خزينته، في وقت يعاني فيه من انهيار اقتصادي غير مسبوق؟
إذا كانت التجارب السابقة قد علمتنا شيئًا، فهو أن الاعتراف بالواقع والتفاوض بعقلانية ليس هزيمة، بل قد يكون أحيانًا أعلى درجات المسؤولية الوطنية.
فالدول العاقلة لا تُقاس بعدد المعارك التي تخوضها، بل بعدد الخسائر التي تنجح في تجنبها.

