ذكرت صحيفة “New York Times” الأميركية أن “طائرة مسيّرة مفخخة تسللت بين تلال جنوب لبنان قبل أن تصيب ناقلة جند مدرعة إسرائيلية. وبعد يومين، اصطدمت أخرى بدبابة؛ وبعد ثلاثة أيام، ضربت ثالثة منظومة دفاع صاروخي. وأعلن الجيش الإسرائيلي أن طائرات مسيّرة متعددة تشن هجمات يومية على القوات الإسرائيلية، مخلفةً خسائر فادحة. ففي الأسبوع الماضي وحده، أسفرت هذه الهجمات عن مقتل ثلاثة جنود”.
وبحسب الصحيفة: “كشفت الهجمات المتواصلة التي يشنها “حزب الله” المدعوم من إيران، عن ثغرات في دفاعات إسرائيل، مما أثار صدمة لدى الرأي العام الإسرائيلي وأجبر القيادات العسكرية والسياسية على البحث على عجل عن حلول. لقد بثّت هذه الطائرات المسيّرة الرعب في صفوف القوات البرية الإسرائيلية في لبنان، وتحدّت تفوّق إسرائيل الجويّ الذي طالما تمتّعت به في الأجواء اللبنانية، كما كشفت عن ثغرة في استراتيجية إسرائيل الرامية إلى السيطرة على أراضٍ في جنوب لبنان، وبناء منطقة عازلة، وإخراج مقاتلي “حزب الله” إلى ما وراء مدى الصواريخ المضادة للدبابات التي عانى منها عشرات الآلاف من المدنيين الذين يعيشون في شمال إسرائيل”.
وتابعت الصحيفة: “لم يكن الهجوم المكثف بالطائرات المسيّرة مفاجئاً، ففي وقت مبكر من عام 2024، حذّر ضباط عسكريون من أن “حزب الله” سيبدأ على الأرجح باستخدام طائرات مسيّرة يتم التحكم بها عبر كابلات ألياف بصرية رفيعة لتجنب التشويش الإلكتروني، وذلك وفقاً لثلاثة مسؤولين إسرائيليين أصرّوا على عدم الكشف عن هويتهم لعدم تخويلهم بالتحدث إلى وسائل الإعلام. وقد أصبحت الطائرات المسيّرة التي تعمل بالألياف البصرية شائعة أيضاً في ساحة المعركة في أوكرانيا. وعلى الرغم من التحذيرات، لم يبذل كبار قادة الجيش الإسرائيلي جهوداً تُذكر للاستعداد لهذا التهديد، وفقاً لما ذكره المسؤولون. فعندما بدأ الجنود الإسرائيليون يتعرضون لهجمات يومية بطائرات مسيّرة في نيسان، لم يكن الجيش الإسرائيلي قد اعتمد بعد إجراءات مضادة بسيطة تُعدّ روتينية في أوكرانيا، مثل تعليق شبكات واقية فوق الجنود والمعدات المتمركزة. وقال غاي هازوت، وهو عميد احتياطي قاد جهودًا في الجيش الإسرائيلي لاستخلاص الدروس بين عامي 2024 و2025: “قبل عامين، ناقشنا كيف سينشر حزب الله هذه الطائرات المسيّرة، لكن المؤسسة الأمنية تحتاج إلى صفعة على وجهها لتستيقظ”.”
وأضافت الصحيفة: “رغم امتناع “حزب الله” عن إطلاق النار إلى حد كبير خلال العام الماضي رغم الضربات الإسرائيلية المتكررة، إلا أنه عاد للظهور كقوة قتالية بعد أن ألحقت به حرب 2024 ضرراً بالغاً. فبعد بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر شباط، بدأ الحزب بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل. وتوغل الجيش الإسرائيلي أكثر في لبنان في محاولة لوقف هجمات الحزب، وسيطر على عشرات القرى في جنوب لبنان ونفذ عمليات هدم واسعة النطاق. وقال الجيش الإسرائيلي إن هجماته تستهدف “حزب الله”، لكن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي، قال إن النهج المتبع في جنوب لبنان يهدف إلى محاكاة التكتيكات التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في غزة، حيث تحولت أحياء بأكملها إلى ركام”.
وبحسب الصحيفة: “مع ذلك، تمكن “حزب الله” من ضرب الجيش الإسرائيلي بهجمات الطائرات المسيّرة على الأراضي الإسرائيلية، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن عشرة جنود ومدني واحد منذ نيسان. وقد تباهى الحزب بقدرته على إلحاق الضرر بالجيش الإسرائيلي المتطور تقنياً باستخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة. ورداً على الانتقادات الشعبية المتزايدة، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه أمر بتشكيل فريق خبراء خاص لمواجهة خطر الطائرات المسيّرة، وقال خلال اجتماع مع وزراء الحكومة في منتصف أيار: “أخبرتهم بشيء فاجأهم قليلاً: لديكم ميزانية مفتوحة. مهما كانت التكلفة، فلتكن”. في الماضي، كان “حزب الله” يستخدم إشارات الراديو للتحكم في طائرات هجومية مسيّرة، والتي كان الجيش الإسرائيلي قادراً على تعطيلها عبر التشويش الإلكتروني. أما الآن، فيستخدم الحزب طائرات مسيّرة مزودة بمتفجرات وبكرات من كابلات الألياف الضوئية التي تنفك أثناء تحليقها نحو أهدافها، مع وجود مشغل في الطرف الآخر. ولأن هذه الطائرات لا تعتمد على إشارات الراديو، فإن الدفاع الرئيسي ضدها هو إسقاطها أو قطع كابلاتها. وفي الواقع، لا يملك الجنود الإسرائيليون على الأرض سوى وقت قصير لمحاولة إسقاط الطائرات المسيّرة قبل انفجارها”.
وتابعت الصحيفة: “وصلت حرب الطائرات المسيّرة إلى جبهة الصراع بين “حزب الله” وإسرائيل بعد أن كانت رائدة ومتطورة للغاية في الصراع بين أوكرانيا وروسيا. وفي حين تستطيع الطائرات المسيّرة المستخدمة في ذلك الصراع التحليق لمسافة تصل إلى 80 كيلومترًا تقريبًا، أفاد ثلاثة مسؤولين إسرائيليين أن مدى طائرات “حزب الله” المسيّرة المزودة بألياف بصرية لا يتجاوز حتى الآن 19 كيلومترًا”. وفي كانون الثاني من العام الماضي، زار ضباط عسكريون أوكرانيون إسرائيل لشرح كيفية مواجهة جيشهم لتهديد الطائرات المسيّرة الروسية، وفقًا لمسؤولين أوكرانيين تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما لمناقشة المداولات الداخلية. وفي الأسابيع الأخيرة، طلب مسؤولون إسرائيليون من أوكرانيا إرسال وفد آخر، لكن الحكومة الأوكرانية اشترطت زيارة ثانية بزيادة إسرائيل دعمها للدفاعات الجوية الأوكرانية، وفقًا لمسؤولين أوكرانيين”.
وبحسب الصحيفة: “يحذّر الخبراء الآن من أن التحدي الكبير المقبل لإسرائيل يتمثل في أداة تستخدمها أوكرانيا لنقل المعركة إلى روسيا، وقد يتبناها “حزب الله”؛ إذ يقوم الأوكرانيون بدمج شرائح SIM، كتلك الموجودة في الهواتف المحمولة، في طائراتهم المسيرة لشن هجماتهم على الأراضي الروسية. ويقول المحللون إن أوكرانيا تمكنت، باستخدام شبكة الهاتف المحمول، من مهاجمة روسيا من على بعد مئات الأميال، وفي بعض الحالات، اضطرت روسيا إلى إغلاق شبكات الهاتف المحمول في مناطق بأكملها لمواجهتها. وقال هازوت: “لا يمكننا الانتظار لإيجاد حل لهذا التهديد. يجب أن نتحرك الآن”. وقال مسؤولون أمنيون إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تشكله طائرات “حزب الله” من دون طيار تم التغاضي عنه حيث تم توجيه الاهتمام إلى مخاوف أكثر إلحاحاً، مثل برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية. وقال العميد شاحار شوخات، القائد السابق لقوات الدفاع الجوي والصاروخي التابعة للجيش الإسرائيلي: “كان على إسرائيل أن تستعد للعديد من التحديات الأخرى”. وأضاف: “في نهاية المطاف، يمكن لهذه الطائرات المسيّرة أن تقتل وتتسبب في أضرار، لكنها تشكل تهديداً تكتيكياً وليس استراتيجياً. لن تهزمنا، لكنها قد تؤثر سلباً على معنوياتنا”.

