في وقت لم يتعافَ فيه العالم بعد من صدمة جائحة “كورونا”، تحوّلت رحلة بحرية فاخرة لمراقبة الطيور والحياة البرية في أقصى جنوب المحيط الأطلسي إلى أزمة صحية عالمية أعادت إلى الأذهان مشاهد الحجر والخوف والعزل، بعدما تفشّى فيروس “هانتا” القاتل على متن سفينة “MV Hondius”، موقعاً 3 قتلى وعشرات الإصابات المشتبه بها بين ركاب ينتمون إلى أكثر من 23 دولة.
وبحسب تقرير موسّع نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” للصحافيين جايسون هورويتز، كلير موزيس وأميليا نيرنبرغ، بدأت الرحلة في 1 نيسان من مدينة أوشوايا الأرجنتينية، وسط أجواء احتفالية لعشاق الطيور والحياة البرية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى “كابوس بحري” تحت تهديد فيروس نادر تحمله القوارض ويُعرف باسم “هانتا – Andes”.
السفينة التي ترفع العلم الهولندي وتُستخدم للرحلات الاستكشافية في المناطق القطبية، كانت تقل 175 شخصاً بين ركاب وطاقم، وقد تراوحت أسعار الرحلة بين 8000 و27000 دولار، وشملت محطات نائية مثل جورجيا الجنوبية، تريستان دا كونا، سانت هيلينا والرأس الأخضر.
وفي 12 نيسان، جمع القبطان يان دوبروغوفسكي الركاب داخل صالة السفينة ليبلغهم بوفاة أحد المسافرين، الهولندي ليو شيلبيرورد، البالغ من العمر 69 عاماً، مؤكداً يومها أن الوفاة “طبيعية” وأن الرجل “غير معدٍ”، وفق تشخيص طبيب السفينة.
لكن خلال أسابيع قليلة، توفيت أيضاً زوجته ميريام شيلبيرورد-هاوسمان، إضافة إلى راكبة ألمانية كانت على متن الرحلة، فيما أكدت منظمة الصحة العالمية لاحقاً أن الوفاتين الثانية والثالثة ناجمتان عن فيروس “هانتا”، مع ترجيح أن يكون الفيروس سبب الوفاة الأولى أيضاً.
وأشار التقرير إلى أن السلطات الصحية حول العالم تعاملت مع الحادثة بحذر شديد، خصوصاً أن الفيروس المعروف بارتباطه بالقوارض يمكن أن ينتقل بين البشر في ظروف معينة، ما أعاد سريعاً هواجس “كوفيد-19”.
وحتى يوم الجمعة، كانت منظمة الصحة العالمية قد رصدت 10 إصابات مرتبطة بالسفينة، بينها 8 مؤكدة وإصابتان مشتبه بهما، فيما فُرض الحجر الصحي على عشرات الركاب الذين عادوا إلى بلدانهم خوفاً من ظهور الأعراض، التي قد تستغرق حتى 6 أسابيع.
ومن بين المصابين طبيب السفينة نفسه، الذي كان قد عالج الزوجين الهولنديين، إضافة إلى أحد أفراد الطاقم ودليل سياحي بريطاني.
وروى التقرير تفاصيل الرحلة التي بدأت بشكل اعتيادي، حيث كان الركاب يحضرون محاضرات عن الطيور والفلك، ويتناولون وجبات جماعية ويشاركون في أمسيات ترفيهية، قبل أن ينقلب المشهد بالكامل مع بدء انتشار المرض.
وكان ليو شيلبيرورد، المعروف بشغفه الشديد بمراقبة الطيور، قد أمضى الأشهر السابقة للرحلة يتنقل مع زوجته في أميركا الجنوبية بحثاً عن أنواع نادرة من الطيور، ووثّق مشاهداته عبر منصة “eBird”، حيث سجّل ما يقارب 6000 نوع طيور خلال رحلاته.
وتوقف التقرير عند فرضيات تحدثت عن احتمال انتقال الفيروس من مكب نفايات قرب أوشوايا في الأرجنتين، إلا أن السلطات الأرجنتينية نفت وجود أي دليل على ذلك، معتبرة أن الأمر جزء من “حملة تضليل” تضر بصورة المنطقة السياحية.
ومع تفاقم الأزمة، تحولت السفينة إلى ما يشبه “جزيرة معزولة”، حيث مُنع الركاب من النزول في الرأس الأخضر يوم 3 أيار، قبل أن تتدخل منظمة الصحة العالمية وتطلب من إسبانيا استقبال السفينة في جزر الكناري.
لكن حتى هناك، واجه القرار اعتراضات سياسية وشعبية، بعدما عبّر مسؤولون محليون عن خشيتهم من انتقال الفيروس، لدرجة أن رئيس جزر الكناري أرسل إلى وزيرة الصحة الإسبانية تقريراً من الذكاء الاصطناعي يتحدث عن قدرة الجرذان على السباحة والوصول إلى اليابسة.
وفي نهاية المطاف، رست السفينة في تينيريفي وسط إجراءات استثنائية، حيث صعد إليها عناصر ببدلات واقية بيضاء، قبل إخضاع الركاب لفحوصات ونقلهم إلى الحجر الصحي، بينما أبحرت السفينة لاحقاً عائدة إلى هولندا لإجراء عمليات تعقيم كاملة.
ويعكس هذا الحادث حجم القلق العالمي من أي تفشٍ صحي جديد، خصوصاً في عالم لا يزال يعيش تحت تأثير الذاكرة الثقيلة لـ”كورونا”، حيث يكفي فيروس نادر على متن سفينة معزولة لإعادة العالم كله إلى حالة الاستنفار.

