في ظلّ المنخفض الجوي الذي ضرب لبنان خلال هذين اليومين من شهر أيار، يطرح المشهد الزراعي أسئلة حول انعكاساته على الأشجار المثمرة والمزروعات الموسمية، لا سيما في مرحلة حساسة من السنة تتقاطع فيها عمليات الإزهار والنمو، إضافة إلى تأثيراته المحتملة على المياه الجوفية والحشائش ودرجات الحرارة.
في هذا السياق، يؤكد رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين إبراهيم ترشيشي، في حديثٍ لـ”ليبانون ديبايت”، أن واقع الزراعة في لبنان لا يمكن فصله عن الواقع العام الذي يعيشه البلد، فلا أحد يملك وضوحًا لما قد تحمله الأيام المقبلة، سواء على المستوى السياسي أو المعيشي، وبالتالي فإن المزارع، كغيره من المواطنين، يعيش حالة عدم استقرار، سواء كان يزرع الأشجار المثمرة أو المحاصيل الأخرى.
ويعتبر ترشيشي أن ما شهدته البلاد من تقلبات مناخية في هذا التوقيت غير مألوف، قائلًا: “هذه أول مرة، خلال خبرتي التي تمتد لأكثر من خمسين عامًا في الزراعة، نشهد طقسًا شتويًا في شهر أيار، وهو ما يمكن إدراجه ضمن التغيرات المناخية التي تطال لبنان”.
ويشدّد على أن الأمطار، رغم شدتها، تُصنّف غالبًا ضمن الإيجابيات الزراعية، فالشتاء في المطلق يحمل الخير، إذ يرفع منسوب المياه في السدود والبرك مثل القرعون، ويغذّي المياه الجوفية، ويُساهم في غسل التربة من النترات، كما يخفف من كلفة الري خلال الصيف عبر تخزين المياه لفترات لاحقة.
وعن تأثيرات المنخفض الأخير على الأشجار المثمرة، يوضح أن الخطر الأكبر لا يكمن في الأمطار بحد ذاتها، بل في احتمال انخفاض درجات الحرارة، وحتى اللحظة لا يمكن الحديث عن أضرار كبيرة، الأشجار في وضع طبيعي عمومًا، لكن الخطر الأساسي يبقى في الصقيع إذا انخفضت الحرارة إلى ما دون الصفر، ما قد ينعكس سلبًا على المشمش واللوز والكرز في مرحلة الإزهار.
ويشير إلى أن بعض المزروعات استفادت بشكل واضح من الأمطار الأخيرة، فالمحاصيل الزراعية مثل البطاطا، البصل، القمح، الشعير، وسائر الزراعات البعلية، استفادت من هذا الموسم المطري، وبدت بحالة نمو جيدة.
أما في ما يتعلق بالحشائش، فيوضح ترشيشي أن هذا الطقس يلائم نموها بشكل طبيعي، باعتبار أن الرطوبة ووفرة المياه تسهمان في انتشارها بشكل أسرع، وهو أمر يرتبط مباشرة بالدورة الزراعية في هذا الفصل.
وعن تأثير هذه الأمطار على مخزون المياه، يؤكد أن منسوب المياه الجوفية والسطحية سيرتفع بشكل ملحوظ، ما يخفف من كلفة ضخ المياه على المزارعين، ويرفع منسوب الينابيع والأنهار، كما يعزز قدرة السدود والبرك على التخزين، وهو ما ينعكس إيجابًا على الموسم الزراعي الصيفي.
ويختم مشيرًا إلى أن لبنان اعتاد تاريخيًا على وفرة الأمطار وتنوع الفصول، إلا أن التغيّرات المناخية باتت تفرض واقعًا مختلفًا، ما نشهده اليوم من تداخل بين الفصول، حيث يمتد الطقس الشتوي إلى شهر أيار، بات أمرًا لافتًا وغير معتاد، لكنه يبقى في المحصلة ضمن دائرة التغيرات المناخية التي يجب التكيّف معها.

