في الفترة الأخيرة، لم يعد خطاب التحريض والكراهية في لبنان مجرّد ظاهرة عابرة أو ردّة فعل ظرفية، بل تحوّل إلى مسار مقلق يتسلّل تدريجياً إلى الحياة السياسية والإعلامية وحتى الاجتماعية. من المنابر السياسية إلى مواقع التواصل، تتكرّر عبارات التخوين، والتصنيف الطائفي، وبثّ الانقسام، في مشهد يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب العام وما يريده اللبنانيون فعلياً، خصوصاً مع تصاعد خطاب “نحن مقابل هم” ونبرة “ما بيشبهونا” التي تعيد رسم خطوط تماس نفسية بين اللبنانيين.
هذا التناقض يظهر بوضوح في إحصاءات أعدّتها شركة “ستاتيستيك ليبانون”، والتي تسلّط الضوء على مزاج مختلف تماماً داخل المجتمع، وخصوصاً في البيئة المسيحية. فوفق هذه الأرقام، يعبّر 97.98% من المسيحيين في لبنان عن تمسّكهم ببقاء البلد دولة واحدة، في موقف حاسم يرفض أي طروحات تقسيمية أو مشاريع تفتيتية تُطرح أحياناً تحت عناوين سياسية أو أمنية.
وفي السياق نفسه، تظهر النتائج أن نحو 90.06% يؤكدون إمكانية العيش مع باقي الطوائف، ما يعكس تمسّكاً واضحاً بفكرة الشراكة الوطنية، رغم كل ما يُضخّ من خطابات توحي بالعكس. وهنا يبرز التناقض الصارخ: في حين ترتفع نبرة “ما بيشبهونا” و”الانفصال النفسي” في بعض الخطابات، تؤكد الغالبية الساحقة من الناس أنها لا ترى في الآخر خصماً وجودياً، بل شريكاً في الوطن.
أما على مستوى النظام السياسي، فتكشف الأرقام عن رغبة واضحة في التغيير، ولكن ضمن إطار الدولة الواحدة. إذ يعبّر 26.25% عن تأييدهم للصيغة الحالية، مقابل 25.69% يفضّلون اللامركزية، و20.68% يدعمون الدولة العلمانية، و14.14% يميلون إلى الفدرالية. هذه التوزيعات لا تشير إلى رغبة في الهدم، بل إلى بحث جدّي عن تطوير النظام، بما يتلاءم مع التحولات السياسية والاقتصادية، مع الحفاظ على وحدة لبنان.
وفي ما يتعلّق بالمؤسسات، تبرز نتيجة لافتة: 96.61% يرفضون التهجّم على الجيش، و83.84% يعتبرون أن المؤسسة العسكرية وحدها يجب أن تحمل السلاح، لا الميليشيات ولا ما يُسمّى بالأمن الذاتي. هذا المعطى يعكس تمسّكاً واسعاً بشرعية الدولة، ورفضاً لأي مظاهر قوة خارج إطارها، مهما كانت مبرّراتها. وبالتالي، فإن أي خطاب يحرّض على الجيش أو يشكّك بدوره، يبقى معزولاً عن المزاج الشعبي العام.
أما في قراءة مصادر الخطر، فتظهر الدراسة أن 35.86% يرون أن التهديد الأول يأتي من إسرائيل، مقابل 26.01% من سوريا، و23.42% من إيران، ما يشير إلى أن القلق لدى اللبنانيين يتّجه بشكل أساسي نحو الخارج، لا الداخل. وهذا ما يفسّر أيضاً رفض شريحة واسعة لأي عودة إلى الحرب الأهلية، باعتبارها تجربة قاسية لا يرغب أحد في تكرارها.
وفي مفارقة أخرى، تشير الأرقام إلى أن 68.26% يؤيدون خيار السلام مع إسرائيل، وهو موقف يعكس رغبة في الاستقرار وإنهاء الصراعات، ولكن من دون الوقوع في فخ الاستسلام أو التفريط بالحقوق. بمعنى آخر، هناك توجّه نحو تسويات تضمن الأمن، لا نحو حروب مفتوحة أو شعارات دائمة لا تترجم واقعاً.
هذه الأرقام مجتمعة ترسم صورة مختلفة تماماً عمّا يُروَّج في بعض الخطابات. فالمجتمع، رغم كل الانقسامات الظاهرة، يميل إلى الاستقرار، وإلى الدولة، وإلى الشراكة، وإلى الحلول السياسية. في المقابل، تستمر بعض القوى أو الشخصيات في ضخّ خطاب تحريضي يرفع منسوب التوتر، سواء عبر استحضار ذاكرة الحرب، أو عبر تخوين الخصوم، أو عبر تصوير الاختلاف السياسي كصراع وجودي. وغالباً ما يظهر هذا الخطاب بصيغ غير مباشرة، حيث يلجأ بعض السياسيين أو الناشطين إلى التلميح بدل التصريح، عبر الحديث عن “خطر ديموغرافي” أو “مشروع طائفي”، ما يرسّخ الانقسام من دون استخدام عبارات صدامية واضحة.
هذا الواقع يطرح سؤالاً أساسياً: من المستفيد من استمرار خطاب الكراهية؟ في ظلّ أزمات اقتصادية خانقة، وانهيار مالي غير مسبوق، يبدو أن تحويل الأنظار نحو الانقسام الداخلي يشكّل أداة لتخفيف الضغط عن المسؤوليات الفعلية، أو لإعادة شدّ العصب الشعبي في لحظات سياسية دقيقة.

