يشهد الجنوب اللبناني تصعيداً متواصلاً يتجاوز في تداعياته الإطار العسكري المباشر، ليرسم ملامح مرحلة شديدة الحساسية على المستويين الميداني والسياسي. فالمواجهات المستمرة، وكثافة الغارات والقصف المدفعي، واتساع رقعة الاستهداف، كلها مؤشرات إلى تحوّل نوعي في طبيعة العمليات، حيث لم تعد تقتصر على نقاط تماس محدودة، بل باتت تشمل مساحات واسعة وبلدات كاملة تعيش تحت وطأة العدوان اليومي.
في قراءة للمشهد الميداني والسياسي، عرض الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة صورة قاتمة لما يشهده الجنوب اللبناني، مستنداً إلى أرقام ومعطيات قال إنها صادرة عن مصادر حكومية إسرائيلية، ولا سيما عن وزير الطاقة الإسرائيلي، الذي أشار إلى أنّ أكثر من 62 بلدة وقرية في الجنوب أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية، سواء بشكل مباشر أو ضمن ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” أو “الحزام الأمني”، الممتد من الساحل غرباً حتى سفوح جبل الشيخ شرقاً.
وأوضح حمادة أنّ هذه البلدات، وخصوصاً الكبرى منها مثل بنت جبيل والخيام، تتعرض لعمليات “مسح كامل من الخريطة”، وفق تعبيره، مستشهداً بالصور ومقاطع الفيديو التي ينشرها الجيش الإسرائيلي، والتي تهدف، بحسب تقديره، إلى إظهار نتائج العمليات العسكرية والرد على ما وصفها بـ“الحملة الدعائية” لـحزب الله حول تحقيق إنجازات ميدانية.
وأضاف أنّ هذه المعطيات تترافق مع رقم آخر يشير إلى نحو 50 بلدة وقرية إضافية تقع ضمن نطاق “السيطرة بالنار”، أي أنها لا تخضع لاجتياح بري مباشر، لكنها تتعرض لقصف متواصل من المدفعية الإسرائيلية عيار 155 ملم، إلى جانب غارات جوية يومية يتراوح عددها بين 40 و50 غارة، ما يعكس، وفق توصيفه، حجم الضغط العسكري المستمر على كامل منطقة جنوب الليطاني.
وأشار إلى أنّ وتيرة الغارات شهدت تراجعاً نسبياً بفعل تغير الأحوال الجوية، إلا أنّ عمليات القصف وأوامر الإخلاء لا تزال مستمرة، في وقت يتزايد فيه التركيز العسكري على مدينة النبطية ومحيطها، بما في ذلك بلدات الزوطرين، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تتحدث عنها أوساط أمنية لبنانية حول احتمال محاولة اختراق بري للمنطقة في مرحلة لاحقة، بعد التمهيد الناري والجوي المكثف.
ولفت إلى أنّ سكان المناطق القريبة، ولا سيما في صيدا ومحيطها، يعيشون على وقع انفجارات متواصلة “ليل نهار”، ما يعكس، برأيه، مؤشرات “كارثة حقيقية” ذات تداعيات طويلة الأمد، حتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، مشدداً على أنّ ما يجري حالياً ليس وقفاً كاملاً للعمليات، بل “ضبط لإطلاق النار” ضمن سقف تفرضه الولايات المتحدة على إسرائيل.
وفي السياق السياسي، اعتبر حمادة أنّ هذا الواقع يرتبط برهانات على مفاوضات لبنانية – إسرائيلية مباشرة قد تنطلق في أي وقت برعاية أميركية، مشيراً إلى أنّ غالبية القوى السياسية والبيئات اللبنانية تؤيد هذا المسار، باستثناء “الثنائي الشيعي”، وخصوصاً حزب الله، الذي، بحسب قوله، يرفض التفاوض ويتمسك بخيار مواصلة القتال بهدف استعادة دوره كـ“قوة مقاومة” و“تحريرية”، بما يخدم موقعه الداخلي والإقليمي.
ورأى أنّ الحزب يعمل، بالتوازي، على إعادة بناء قدراته العسكرية مستفيداً من “نصف هدنة” أو “وقف إطلاق نار منضبط”، خصوصاً في مناطق لا تتعرض حالياً للاستهداف المباشر، مثل الضاحية الجنوبية لبيروت وأجزاء من البقاع.
وفي ملف داخلي متصل، أشار إلى أنّ مؤسسة “القرض الحسن” أعلنت استئناف تسديد مدفوعاتها اعتباراً من اليوم التالي، بعد توقف منذ بداية الحرب، موجّهة زبائنها إلى فروع محددة، في خطوة اعتبرها تحدياً إضافياً للدولة اللبنانية التي تطالب بإغلاق هذه المؤسسة، نظراً لطبيعة عملها المالي القائم على الرهنيات.
وختم حمادة بالإشارة إلى أنّ المشهد اللبناني يبقى معلقاً على تطورات إقليمية أوسع، ولا سيما المفاوضات الأميركية – الإيرانية، كاشفاً عن طرح إيراني يتضمن مقترحات من 14 بنداً تقوم على مرحلتين تمتدان لشهرين، تشملان تخفيف القيود على مضيق هرمز مقابل خطوات متبادلة، في ظل أزمة اقتصادية وضغوط على قطاع النفط الإيراني، ما يجعل المنطقة بأسرها، وفق تعبيره، “في الوقت الضائع” بانتظار تبلور الصورة النهائية.

