لم يعد الحديث عن إسقاط “قانون تجريم التواصل مع العدو الإسرائيلي” في لبنان مجرّد طرح نظري أو نقاش هامشي، بل دخل مرحلة الضغط السياسي المباشر، مدفوعًا هذه المرة بزخم أميركي واضح، يتقاطع مع تحرّكات لوبيات فاعلة في واشنطن. فهل يقف لبنان أمام محاولة فرض مسار تشريعي جديد تحت وطأة التهديد بالعقوبات؟
بحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، شهدت الأسابيع الأخيرة اتصالات أميركية مكثفة مع عدد من النواب اللبنانيين، تمحورت حول ضرورة الشروع في إعداد مشروع قانون يقضي بإلغاء النصوص التي تجرّم التواصل بين اللبنانيين والإسرائيليين. هذه الاتصالات، التي لم تأتِ في سياق دبلوماسي اعتيادي، حملت طابعًا ضاغطًا، ما يعكس انتقال الملف من إطار النقاش السياسي إلى مستوى الضغط التنفيذي.
الحراك الذي تقوده لوبيات إسرائيلية ولبنانية في الولايات المتحدة لم يعد خفيًا، بل تُرجم بتعهد واضح من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعمل على إلغاء هذا القانون، في خطوة تهدف إلى فتح الباب أمام ما يوصف بـ”التواصل المدني” بين مواطني البلدين. غير أن هذا العنوان يطرح إشكاليات سيادية وقانونية عميقة في بلد لا يزال رسميًا في حالة عداء مع إسرائيل، وفق القوانين المرعية الإجراء.
قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، إلى جانب مواد في قانون العقوبات اللبناني، لا سيما المواد 278 وما يليها، يجرّم أي شكل من أشكال التعامل أو التواصل مع العدو، ويضعه في إطار الجرائم التي تمسّ أمن الدولة. وبالتالي، فإن أي محاولة لإلغاء هذا الإطار التشريعي لا تعني فقط تعديل نص قانوني، بل تمسّ جوهر المقاربة اللبنانية للعلاقة مع إسرائيل، بكل أبعادها السياسية والأمنية.
وفي هذا السياق، تشير المعلومات إلى أن الإدارة الأميركية تتجه لاعتماد سياسة “الضغط المتدرّج”، تبدأ بالاتصالات السياسية، ولا تنتهي عند التلويح بالعقوبات. وتفيد المعطيات بأن رئيس مجلس النواب نبيه بري قد يكون في صدارة المستهدفين، في حال امتنع عن إدراج مشروع القانون على جدول أعمال المجلس أو فتح باب النقاش حوله، إضافة إلى نواب قد يرفضون التصويت لصالحه.
فهل نحن أمام محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك القانونية بين لبنان وإسرائيل؟ أم أن ما يجري يندرج ضمن استراتيجية أوسع لفرض مسار تطبيعي تدريجي، يبدأ من “التواصل المدني” ولا ينتهي عند حدود الاقتصاد والسياسة؟
اللافت أن هذا الضغط يأتي في لحظة داخلية لبنانية شديدة الهشاشة، حيث تقوم إسرائيل بأبشع جرائمها في لبنان، من قتل وتدمير قرى ومحوها من الخريطة دون وازع، وحيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الانقسامات السياسية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات الدستورية على الصمود أمام ضغوط خارجية بهذا الحجم. فهل يملك المجلس النيابي ترف الرفض؟ أم أن لبنان مقبل على مواجهة من نوع جديد، عنوانها: التشريع تحت التهديد؟

