في لحظة دقيقة، يتقدّم فيها التفاوض على وقع النار، لا يبدو تمديد الهدنة مجرّد إجراء تقني لشراء الوقت، بل خطوة محمّلة بحسابات ميدانية وسياسية معقّدة. فالميدان لم يهدأ بالكامل، والرسائل العسكرية لم تتوقف، فيما تتقدّم المفاوضات ببطء تحت سقف ضغوط متبادلة. وبين هذين المسارين، يجد لبنان نفسه في منطقة رمادية، حيث لا تصعيد شامل ولا استقرار فعلي، بل حالة معلّقة تُدار بدقة، في انتظار ما ستفضي إليه التوازنات الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، رأى الخبير العسكري العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أنّ “المرحلة الحالية هي مرحلة انتقالية بامتياز، حيث ننتظر نتائج المفاوضات التي ستحدد مسار الانتقال من واقع إلى آخر، وقد ترسم خارطة طريق للدولة اللبنانية، في ظل مواكبة دولية واضحة”.
وأشار إلى، أنّ “كل مرحلة تفاوضية ترافقها ضغوط ميدانية، إذ يتم استخدام التصعيد العسكري كوسيلة ضغط لدفع الأطراف إلى تقديم تنازلات”، معتبرًا أنّ “الجنوب لن يكون خارج هذا الإطار، بل قد يشهد جولات تصعيد متقطعة كلما دخلت المفاوضات مراحل حساسة”.
وأوضح بالوكجي، أنّ “تمديد الهدنة من طرف واحد يُعدّ إشكالية بحد ذاته، إذ يتيح لإسرائيل الاستمرار في ملاحقة أهدافها الميدانية، بانتظار تبلور صورة المفاوضات”، مضيفًا أنّ “هذا الواقع يخلق حالة من التعليق المستمر، حيث لا حرب شاملة ولا استقرار فعلي”.
ولفت إلى، أنّ “المشهد الحالي لا يشير إلى توسّع كبير في العمليات أو احتلالات إضافية، بل إلى تثبيت وقائع ميدانية قائمة، من بينها إنشاء منطقة عازلة والسيطرة على عدد من البلدات، ما يشكّل ورقة ضغط تُستخدم في المفاوضات أكثر مما هو تصعيد مباشر”.
ورأى أنّ “التطورات الإقليمية، لا سيما على صلة بالوضع الإيراني والدور الأميركي، تنعكس بشكل مباشر على الساحة اللبنانية، وتؤثر في وتيرة المفاوضات ومسارها”، معتبرًا أنّ “لبنان يبقى ساحة مرتبطة بالتوازنات الإقليمية أكثر مما هو لاعب مستقل في هذه المرحلة”.
وختم بالوكجي بالإشارة إلى أنّ “المرحلة المقبلة قد تشهد جولات عنف محدودة تُستخدم لتحسين الشروط التفاوضية، خصوصًا في ظل غياب قدرة لبنانية واضحة على فرض شروط موازية”، مؤكدًا أنّ “المسار العام يتجه نحو تفاوض تدريجي، لكن تحت ضغط ميداني مستمر”.

