يسعى الرئيس اللبناني جوزاف عون لتجنب لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيدعو الرجلين قريباً للقاء في البيت الأبيض وسط معلومات عن مطالبة أميركية للبنان بإلغاء قانون «تجريم التواصل مع إسرائيل»، على قاعدة أن المفاوضات المباشرة التي ستجري بين البلدين تقتضي ذلك.
ويستند عون في سعيه لتأجيل أو تجنب لقاء نتنياهو إلى مواقف بعض القوى السياسية اللبنانية وموقف عربي وإقليمي تميل إلى عدم حصول اللقاء في ظل الظروف الحالية لا سيما قبل التوصل إلى اتفاق يقضي بانسحاب إسرائيل من لبنان ووقف عملياتها العسكرية.
في هذا الإطار، زار مستشار رئيس الجمهورية أندريه رحال القاهرة قبل يومين وعقد لقاءات مع مسؤولين مصريين كما التقى هناك الأمير السعودي يزيد بن فرحان، وجرى التركيز خلال اللقاءات على ضرورة الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وعدم حصول صدام أهلي، أو أي اهتزاز في مسيرة العهد والحكومة، إضافة إلى السعي لإقناع الاميركيين بضروة تأجيل اللقاء مع نتنياهو، لكن الأهم في المقابل هو التزام لبنان بحصر السلاح بيد الدولة، والالتزام بالقرارات الصادرة عن حكومة نواف سلام.
وفي حين يترقب اللبنانيون غداً الخميس، الاجتماع الثاني مع إسرائيل على مستوى السفيرين في مقر الخارجية الأميركية بواشنطن، الذي سيخصص للبحث في تمديد وقف إطلاق النار عشرين يوماً أو شهرا، يعمل عون على توسيع هامش مشاوراته الداخلية والخارجية في سبيل تكوين موقف لبناني موحد، يحظى بدعم عربي وإقليمي قبل انطلاق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
وفيما ترددت معلومات بأن السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى نصح عون بتوسيع الوفد التفاوضي اللبناني الذي سيترأسه السفير سيمون كرم ويفترض أن يضم شخصية عسكرية وشخصية مدنية تقنية، ليكون جامعاً لمختلف المكونات، يدرس عون توسيع هامش التشاور مع مختلف القوى الداخلية ولو اقتضى ذلك الدعوة إلى حوار للبحث في ملف السلاح، لا سيما أن لبنان لا يريد أن يذهب إلى تفاهم مع إسرائيل من دون حصول توافق داخلي، ولا يريد أن تبدو الصورة وكأن هناك اتفاقاً اسرائيلياً – لبنانياً ضد «حزب الله»، وهذا أيضاً أمر يلقى تفهماً إقليمياً ودولياً.
4 مطالب 5 شروط وفي الوقت نفسه، لا تزال العناوين المطروحة للمفاوضات من قبل بيروت وتل أبيب متباعدة. وحسب المعلومات، يطرح لبنان 4 شروط واضحة وهي، أولاً، وقف الاعتداءات الإسرائيلية والضربات بما في ذلك عمليات الاغتيال، وثانياً، انسحاب إسرائيل من كل الأراضي التي تحتلها والتخلي عما يسمى الخط الأصفر، وثالثاً، إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين لديها، ورابعاً وأخيراً ترسيم الحدود البرية والبحرية بشكل كامل.
أما الشروط الإسرائيلية فذات سقف مرتفع جداً وهي، أولاً، بدء الدولة اللبنانية بسحب سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، وثانياً، التفاهم مع لبنان حول آلية نزع سلاح الحزب وتفكيكه، وصولاً إلى منع الحزب من أن يكون مؤثراً في السياسة اللبنانية وقرار الدولة. وثالثاً، عدم الانسحاب قبل تحقيق الأهداف المرتبطة بنزع سلاح الحزب، على أن يكون أي انسحاب متدرجاً وفق جدول ومراحل تتزامن مع كل خطوة يتقدم فيها لبنان بعملية سحب سلاح الحزب من نطاق جغرافي معين. رابعاً، الاحتفاظ بمنطقة عازلة أو آمنة، ويمكن أن تطرح مسألة إدارة مشتركة لهذه المنطقة لكن بإشراف تل أبيب ومشاركة جيشها. وخامساً، توقيع اتفاق سلام أو اتفاق ترتيبات أمنية وتفاهمات اقتصادية سواء في ما يسميه الإسرائيليون المنطقة الاقتصادية في الجنوب، أو في تفاهم يتعلق ببلوكات النفط والغاز، لأن إسرائيل تريد للبنان أن يكون مرتبطاً بها في مجال النفط والغاز.
الدبلوماسية ليست علامة ضعف جاء ذلك، فيما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائه في العاصمة باريس مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، تأكيد التزام فرنسا الكامل بوقف إطلاق النار في لبنان ودعمها لسيادته ووحدة أراضيه، في حين تقول مصادر دبلوماسية إن واشنطن تسعى لتهميش دور باريس التي تجمعها علاقة متوترة بإسرائيل. وكان سلام توقف في وقت سابق في لوكسمبورغ لحضور اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المخصص لبحث الأوضاع في الشرق الأوسط، حيث اعتبر أن خيار الدبلوماسية ليس علامة ضعف، لافتاً إلى أن حجم التحديات التي يواجهها لبنان يستدعي تضامناً دولياً أكبر. وكان عون شدد كذلك خلال استقبال وفد جنوبي أمس، على أن «المفاوضات لا تعني التنازل ولا الاستسلام»، مؤكداً أنه «يتحمل مسؤولية قراراته، وأن الدبلوماسية هي حرب من دون دماء، فيما الحرب دماء ودمار وخراب».
وأكد عون الحفاظ على الحقوق، وأهمية أن يقف اللبنانيون إلى جانب دولتهم في هذا الظرف بالذات. البديوي وحصر السلاح في سياق متصل، أشار الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم البديوي خلال ندوة نظمتها الأمانة العامة للمجلس، إلى أن دول المجلس ستبقى إلى جانب لبنان، لكن في الوقت ذاته فإن «مستقبل لبنان يبدأ من داخله، من إرادة أبنائه، ومن قدرتهم على بناء دولة قوية، مستقرة». وأكد البديوي على أن «استقرار لبنان يرتبط بشكل مباشر بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، بما يضمن سيادة الدولة ويمنع الانزلاق إلى صراعات إقليمية»، وشدد على «أهمية تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية، لدعم قدرات الجيش اللبناني، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب والأنشطة غير المشروعة، بما يعيد للبنان مكانته كشريك موثوق في محيطه العربي والدولي». ولفت إلى أن لبنان أمام تحدٍ إنساني وأمني كبير على ضوء التصعيد العسكري الأخير ونزوح تجاوز المليون مواطن، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ سنوات، داعياً إلى تضافر الجهود لمساعدته.

