كتب شارل جبّور في نداء الوطن:
المشكلة الحقيقية في لبنان ليست مع إسرائيل كما صُوِّر تاريخيًا، بل المشكلة هي مع من استخدم العنوان الإسرائيلي من أجل وضع يده على لبنان، فكان هذا العنوان مدخلًا لاحتلال لبنان، وغطاءً لوضع اليد عليه. وهذه الخلاصة التي كانت تُشكّل قناعة لدى شريحة لبنانية معينة، تحوّلت اليوم إلى قناعة لدى الشريحة الأوسع من اللبنانيين، بعد سقوط مجموعة من الأوهام التي جرى تسويقها لعقود. أبرز هذه الأوهام كان الادعاء بوجود عدو مطلق اسمه إسرائيل، في مقابل جهة وحيدة قادرة على مواجهته اسمها “حزب الله”. اليوم، تبدّلت الصورة، وباتت الغالبية ترى أن الخطر الفعلي على لبنان لم يكن في هذا التوصيف الكاذب، بل في النتائج التي ترتبت على ممارسات “الحزب” نفسه.
لقد توصّل عدد كبير من اللبنانيين إلى قناعة مفادها أن ما أصاب لبنان من انهيار، وحروب، وموت، وعزلة، ودمار، وتهجير، يرتبط بشكل مباشر بسياسات “حزب الله” وخياراته العسكرية والأمنية. ومن هنا، لم تعد المقاربة تنطلق من أن لبنان في مواجهة إسرائيل، بل من أن “حزب الله” يخطف لبنان ويستخدمه في صراعه مع إسرائيل تنفيذًا لأجندته الإيرانية، والمواجهة لم تكن يومًا بين لبنان وإسرائيل، بل كانت دومًا مع منظمات استوطنت الأرض اللبنانية واستخدمتها في صراعها مع تل أبيب.
وإذا كان البعض يشكر السنوار على مغامرته التي أدّت إلى تحرير شعوب المنطقة من إيران وأدواتها، فعلى إسرائيل أن تشكر إيران وهذه الأدوات على جعل إسرائيل دولة مقبولة في المنطقة، وإيران دولة مرفوضة. وتكفي المقارنة بين إسرائيل في عام 1983 وإسرائيل اليوم لفهم هذا التحوّل. فبعد أن كانت معزولة في محيطها، أدّت سياسات إيران وأدواتها، وفي طليعتها “حزب الله”، إلى نتيجة معاكسة تمامًا: تقريب الدول والشعوب من إسرائيل، وإبعادها عن إيران. السبب واضح، إذ إن السلوك التخريبي الذي مارسته هذه القوى في أكثر من دولة عربية دفع العديد من الأطراف إلى البحث عن الاستقرار، حتى لو كان ذلك عبر السلام مع إسرائيل.
انطلاقًا من هذا الواقع، لم يعد يُنظر إلى إسرائيل في لبنان كجهة تسعى إلى احتلال أو فرض سيطرة، بل كدولة تردّ على الاعتداءات التي تنطلق من الأراضي اللبنانية ضدها، ولا علاقة لها بالدولة اللبنانية. والدليل الأوضح أن إسرائيل انسحبت من لبنان عام 2000، لكنها عادت إليه لاحقًا نتيجة الحروب التي شنها “حزب الله” ضد إسرائيل، سواء في تموز 2006 أو في تشرين الأول 2023 أو في آذار 2026، ولا أحد لديه أي شكوك في أن من أعاد إدخال إسرائيل إلى لبنان هو “حزب الله”.
وما قامت به الدولة اللبنانية في السنة الأخيرة يحمل بُعدَين أساسيين: الأول، نزع الشرعية عن سلاح “حزب الله” عبر التأكيد أنه سلاح غير شرعي، بدءًا من قراراتها في 5 آب بنزع هذا السلاح، وصولًا إلى 2 آذار بحظر “الحزب” عسكريًا وأمنيًا، ما يعني عمليًا وضعه في خانة السلاح التخريبي. والثاني، نزع الشرعية عن مواجهة إسرائيل من خلال الذهاب إلى المفاوضات المباشرة معها بهدف تثبيت مقولة أن المشكلة ليست مع إسرائيل، بل مع هذا السلاح الخارج عن إطار الدولة، الذي يستخدم لبنان لأجندته التخريبية.
ومع انطلاق التفاوض المباشر، فإن المشكلة لم تعد في مبدأ التفاوض الذي أصبح في “الجيب”، بل في كيفية إدارته وترتيب أولوياته. وهنا يكمن الخلل الأساسي: إذ لا يمكن وضع قضايا مثل الانسحاب الإسرائيلي أو وقف الضربات أو ملف الأسرى في صدارة الأولويات، لأنها في جوهرها نتائج وليست أسبابًا. وهي أولويات “حزب الله” أساسًا، ويضعها من أجل إدامة الصراع، والحفاظ على دوره التخريبي، والاستفادة من خروجها لمواصلة دوره الإرهابي. فيما السبب الحقيقي للدخول الإسرائيلي والأسرى وغيرهما هو الحرب التي افتعلها “حزب الله”. والأولوية التي لا يجب أن تعلو عليها أولوية هي نزع سلاح “الحزب”. وخلاف ذلك يكون لبنان الرسمي قد تبنى، بسبب الترهيب، أولويات “الحزب”، التي يريد من خلالها أن يخرج الجيش الإسرائيلي من أجل أن يعيد ترميم تنظيمه المسلح.
وما يجب التنبّه إليه والتأكيد عليه، أن الشرط الأول والأخير والأساسي لقيام دولة فعلية في لبنان ليس انسحاب إسرائيل منه، وحصوله ضروري طبعًا، بل نزع سلاح “حزب الله”، الذي يشكّل الشرط الأساسي لقيام الدولة واستعادة الاستقرار. فطالما هذا السلاح موجود، يبقى لبنان ساحة وعرضة للانزلاق إلى الحروب، ويظل أي اتفاق مهددًا بالانهيار في أي لحظة. ومن أعاد إدخال إسرائيل إلى لبنان هو “حزب الله”، وخروجها مضمون بعد إخراج “الحزب” من المعادلة اللبنانية. والتجربة التاريخية تؤكد أن ميزان القوى على أرض الواقع أدّى إلى إسقاط اتفاق 17 أيار في الثمانينات، وبالتالي الأولوية تكمن في تغيير ميزان القوى على الأرض بشكل حاسم من أجل منع الانقلاب على أي اتفاق جديد. وهذا يتطلب التقدّم في التفاوض بثقة، ومن دون الالتفات إلى محاولات التعطيل أو التهديد والترهيب، ومع وضوح كامل في ترتيب الأولويات.
إن ورقة القوة الحقيقية بيد لبنان لا تكمن في سلاح “حزب الله” كما حاول الأخير، ويحاول أن يصوّر، بل في نزع هذا السلاح. فهذا الإجراء وحده يفتح الباب أمام قيام دولة فعلية، ويؤسّس لانسحاب إسرائيلي مستدام. أما الإبقاء على سلاح “الحزب”، فهو يعني عمليًا إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراعات، وساحة فوضى وموت وخراب، وساحة تستجلب الحروب من كل حدب وصوب.
إن ورقة القوة الحقيقية بيد لبنان اليوم تكمن، ويا للأسف، في الاحتلال الإسرائيلي الذي تسبّب به “حزب الله”، لأن على لبنان أن يقايض خروج الاحتلال بنزع سلاح “حزب الله” الذي استدعى، ويستدعي، الحرب مع إسرائيل انطلاقًا من أجندته وعقيدته التوسعية والتخريبية. وبما أن كل نظريات ما يُسمّى “المقاومة” سقطت في الميدان، وقد هُزمت الأداة الإيرانية، وانتصر الجيش الإسرائيلي، ودخل إلى العمق اللبناني، فعلى الدولة أن تفاوض من دون خوف ولا عقد، وأن تتعامل مع الوجود الإسرائيلي كـ “ورقة قوة” للتخلّص من سلاح “الحزب”، الذي يمنع لبنان من أن يكون دولة. وعلى الرئيس جوزاف عون، الذي يتحلّى بشجاعة لافتة، أن يتحلّى بشجاعة الرئيس الياس سركيس وحكمته، فلم يكن ممكنًا التخلّص من منظمة التحرير لولا الاجتياح الإسرائيلي، ومن غير الممكن اليوم التخلّص من سلاح “الحزب” إلا عن طريق مقايضة نزع السلاح بالخروج الإسرائيلي.
فلا أولوية تعلو على أولوية نزع سلاح “حزب الله”. ولولا هذا السلاح لما دخلت إسرائيل إلى لبنان، لا في عام 2006 ولا اليوم. وبالتالي، الأولوية الأولى في المفاوضات مع إسرائيل يجب أن تكون في كيفية التخلّص من الأداة التي بسببها دخل الجيش الإسرائيلي. ومن دون نزع السلاح، فلا المفاوضات ستؤدي إلى نتيجة عملية ولا من يحزنون. وبالتالي، إذا كانت إسرائيل ولبنان الرسمي يريدان إقفال الحدود بين البلدين التي استُخدمت لصراعات لا علاقة لبيروت وتل أبيب بها، فيجب أن تكون أولويتهما الوصول إلى ميزان القوى الذي يفسح المجال أمام تطبيق الاتفاق الجديد. ومن دون هذا الميزان، سيكون مصير الاتفاق الجديد كمصير 17 أيار.
في الخلاصة، لا يمكن لأي مسار تفاوضي أن ينجح ما لم يُعالج أصل المشكلة. والتفكير الجدي يجب أن ينصبّ على كيفية إنهاء الوضع الشاذ الذي يمثله سلاح “حزب الله”، مستفيدين من التحولات في ميزان القوى إقليميًا ومحليًا. عندها فقط، يمكن للبنان أن ينتقل من ساحة نزاع إلى دولة مستقرة، قادرة على حماية نفسها وتأمين مستقبل شعبها.

