ذكرت صحيفة “The Telegraph” البريطانية أن “لبنان اتخذ خطوة رمزية بالغة الأهمية بطرد سفير إيران من بيروت في 24 آذار. وفي خطوة كانت تُعتبر مستحيلة طوال معظم السنوات الأربعين الماضية، أُعلن محمد رضا شيباني شخصًا غير مرغوب فيه، ومُنح مهلة أربعة أيام لمغادرة البلاد. وفي الحقيقة، كانت هذه الخطوة إحدى الإجراءات العديدة التي اتخذتها حكومة الرئيس جوزاف عون للحد من النفوذ الإيراني في البلاد، وذلك بعد أن أطلق ”
حزب الله” صواريخ على إسرائيل، ما دفعها إلى شن غارات جوية انتقامية وتوغل بري. لكن ثمة مشكلة رئيسية: بعد ثلاثة أسابيع، لا يزال السفير في بيروت؛ ويرفض شيباني، المتحصن داخل أسوار السفارة الإيرانية، المغادرة، مما يدفع اللبنانيين إلى التفكير في مختلف الوسائل القانونية لإخراجه”.
مهزلة
وبحسب الصحيفة: “ما بدأ كبادرة حسن نية من لبنان، وخاصةً تجاه إسرائيل، تحوّل إلى مهزلة. فقد وعد لبنان العالم عام 2024 بأنه قادر على نزع سلاح “حزب الله”، ومع ذلك يبدو الآن عاجزاً عن إخراج ديبلوماسي إيراني واحد غير مرغوب فيه. وفي الأسبوع الذي بدأت فيه حكومة عون محادثات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، يبدو أنها لا تملك الكثير لتقدمه لإسرائيل كحافز لوقف القصف. ومع ذلك، قد يُجبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على قبول وقف إطلاق النار في بلاد الشام لإنهاء حربه مع إيران. ومع ذلك، يبدو من غير المرجح أن يختفي “حزب الله”، مما يجعل الجولات المستقبلية من الصراع الذي دام عقوداً مسألة وقت لا أكثر. في الحقيقة، يُعدّ هذا تصريحًا قويًا من حزب ادّعت إسرائيل أنها قضت عليه تقريبًا في حملتها أواخر عام 2024. مع ذلك، ومنذ بدء جولة القتال الجديدة مطلع آذار، يُدرك الاستراتيجيون الإسرائيليون مدى كفاءة المسلحين في إعادة تنظيم صفوفهم”.
وتابعت الصحيفة: “قال مايكل يونغ، من مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت: “تقبّل “حزب الله” الضربة عام 2024. لم يسعَ إلى المواجهة، وأعتقد أنه استغلّ وقته لإعادة تنظيم قواته، وتجنّب قدر الإمكان أيّ ثغرات استخباراتية محتملة”. وكما بات جلياً أن الحزب مُسلّحٌ بشكلٍ أفضل بكثير خلال هذا الصراع ممّا كان متوقعاً. وتفاخرت شخصيات مرتبطة بالحزب في لبنان بنجاحها في إخفاء كميات من الأسلحة تفوق ما كان يُعتقد سابقًا، عن كلٍّ من الإسرائيليين في الجنوب والقجيش اللبناني، الذي بذل جهودًا لمصادرة الأسلحة منذ أواخر عام 2024. بالإضافة إلى ذلك، هناك أدلة على أن “حزب الله” قد تم إعادة تزويده عبر طرق التهريب البرية
السورية القديمة، والتي كان يُعتقد أنها قد انقطعت بعد الإطاحة ببشار الأسد، حليف طهران، على يد الرئيس الحالي أحمد الشرع في كانون الأول من ذلك العام. وقد مكن هذان العاملان مجتمعين الحزب من التصدي أطول من المتوقع للتوغل الإسرائيلي”.
وأضافت الصحيفة: “بفضل تفوقه القتالي وقوته وسيطرته على الأجواء، يُتوقع أن يتمكن الجيش الإسرائيلي، إذا أُتيح له الوقت الكافي، من طرد “حزب الله” من منطقة عملياته في الجنوب. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي للصحيفة إن قواته نجحت في دحر “حزب الله”، وقتلت المئات من مقاتليه، واستولت على معدات، وكشفت عن بنية تحتية، ومنعت عناصره من إطلاق صواريخ مضادة للدبابات القصيرة المدى وقذائف أخرى على القوات الإسرائيلية من خلال تأمين المرتفعات. وأضاف أن التحدي “المتوسط المدى” يتمثل في منع “حزب الله” من إعادة التجمع قرب الحدود الإسرائيلية، وهو ما قد يتطلب وجودًا مستمرًا للجيش الإسرائيلي. وقال: “إذا اقتضت الضرورة التواجد أمامهم، فليكن”.”
مأزق حقيقي
وبحسب الصحيفة: “قد تسعى إسرائيل إلى إبقاء قوات في منطقة “معزولة” جنوب البلاد، على رغم أن تصريحات نتنياهو بهذا الشأن كانت مبهمة. إلا أن إسرائيل لا تملك القدرة ولا الإرادة لملاحقة الحزب في كل أنحاء لبنان، ما يعني أن تحييد هذا التهديد لا يمكن تحقيقه إلا إذا سلّم حزب الله سلاحه طواعيةً أو إذا وجدت الحكومة اللبنانية سبيلاً لإجباره على ذلك. وكلا الأمرين يبدو مستبعداً. وقال يونغ: “الإيرانيون يسيطرون سيطرة تامة على “حزب الله”، ولا يعتبرونه قوة مستقلة”. وأضاف: “الإيرانيون يريدون ببساطة الإبقاء على حزب الله كقوة قتالية، وهم لا يعترفون حتى بالسيادة اللبنانية، لذا فنحن في مأزق حقيقي”. وقال يونغ إن قائد الجيش العماد رودولف هيكل على الأرجح رأى خطر المواجهة مع الحزب الشيعي التي قد تمتد إلى مواجهة مع الشعب الشيعي الأوسع، الذي يمثل ما يقرب من ثلث سكان لبنان. وأضاف: “سيجد الجيش نفسه في مواجهة المجتمع الشيعي بأكمله، الذي يشعر اليوم بأنه ضعيف للغاية، ومهدد من كل مكان”. وتابع يونغ قائلاً: “أن نأتي إلى مجتمع مدمر، يعيش معظمه الآن في الشوارع، لنقول لهم: “سننزع سلاحكم”، سيقاومون بكل ما أوتوا من قوة لأنهم يشعرون بتهديد وجودي”. بعبارة أخرى، حرب أهلية”.
وتابعت الصحيفة: “قد يناسب هذا إسرائيل، لأنه سيُقيّد “حزب الله”، لكنه لن يُقيّد إيران التي تريد أن تُطلق العنان لقوتها لمواصلة مهاجمة الدولة اليهودية. شهدت الجولة الأولى من المحادثات في واشنطن الكثير من التصريحات الودية، لكنها لم تُحرز تقدماً يُذكر. وبالنسبة للكثيرين في لبنان، كان مجرد تجرؤ حكومتهم على التحدث باسم البلاد، دون استئذان الحزب، لحظةً فارقةً بحد ذاتها. في الواقع، لاقت هذه الخطوة استنكارًا شديدًا من طهران، حيث حذر علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، من أنها “ستعرض لبنان لمخاطر أمنية لا يمكن إصلاحها”. أما بالنسبة لآخرين، وبالتأكيد الإسرائيليين، فإن هذا النقاش يبدو أجوفًا، لأن الحكومة تفتقر إلى الوسائل اللازمة للإطاحة بالحزب، تمامًا كما هو الحال مع إعلان الحكومة الشهر الماضي أن النشاط العسكري لحزب الله غير قانوني. وبينما يقبع سفير إيران في سفارة بلاده في بيروت، يبدو من السذاجة الاعتقاد بأن أرض الأرز العريقة لن تشهد حروبًا برية مستقبلية بين إسرائيل وإيران، بتكلفة باهظة لا تزال مستمرة”.

