برز الاجتماع الأول بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية كحدث مفصلي، ضمن الصراع الاكبر في الاقليم، لا سيما بما يحمله من رمزية سياسية وتداعيات محتملة، فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين البلدين، وانعكاساته على الداخل اللبناني، في ظل توازنات دقيقة وحسّاسة.
في هذا السياق، يقدّم الكاتب والمحلّل السياسي نضال السبع قراءة معمّقة في خلفيات هذا الاجتماع ونتائجه، متوقفًا عند دلالاته السياسية، ومضمونه التفاوضي، والسيناريوهات التي قد تترتب عليه داخليًا وإقليميًا.
ويتوقّف السبع مطولًا عند دلالات الاجتماع الأول بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، معتبرًا أنّ الحدث بحد ذاته يتجاوز مضمونه السياسي المباشر، لما يحمله من رمزية عالية في كسر محظورات تاريخية لطالما حكمت مسار الصراع بين الجانبين، فهذه الصورة، وفق السبع، ليست تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل هي الحدث بحد ذاته، وهي التي يجب التوقف عندها قبل الغوص في تفاصيل البيان، لأنها تعبّر عن انتقال نوعي في المشهد السياسي، وتؤشر إلى مرحلة جديدة مختلفة كليًا عمّا سبق.
ويشير السبع إلى أنّ هذه الصورة كسرت، برأيه، أحد أبرز المحرّمات السياسية في لبنان، والمتمثّلة في الجلوس المباشر مع الجانب الإسرائيلي، وهو ما لم يكن مطروحًا سابقًا بهذا الشكل العلني. ويرى أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي سوف يستغل هذه الصورة في الداخل الإسرائيلي إلى أقصى حد، حيث سيبني عليها خطابًا سياسيًا يؤكد فيه أنّه خاض الحرب ونجح في تحقيق أولى نتائجها، عبر إجبار الدولة اللبنانية على الذهاب نحو التفاوض المباشر، كما سيصوّب على أنّه تمكن من محاصرة حزب الله سياسيًا داخل لبنان، وليس فقط عسكريًا، ما يعزّز موقعه الداخلي ويمنحه ورقة قوة إضافية في مواجهة خصومه.
وفي السياق نفسه، يلفت السبع إلى أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيستثمر هذه الصورة أيضًا، ليقدّمها على أنها إنجاز أميركي واضح، وواحدة من نتائج الحرب التي شُنّت على إيران. فبالنسبة لواشنطن، هذا اللقاء يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى فصل المسارات بين إيران ولبنان، وإعادة رسم التوازنات الإقليمية بطريقة تقلّص نفوذ طهران في المنطقة. وبالتالي، فإن هذه الصورة تحمل بعدًا دعائيًا وسياسيًا للإدارة الأميركية، بقدر ما تحمل أبعادًا تفاوضية.
ويضيف السبع أنّ ما جرى لم يكن حدثًا معزولًا، بل هو نتيجة مسار تراكمي طويل، بدأ منذ ما يُعرف بحرب الإسناد، حيث وجّهت إسرائيل ضربات مؤلمة لحزب الله خلال تلك المرحلة، واستكملتها لاحقًا بخطوات تصعيدية متعددة، عسكرية وسياسية في آن معًا.
ويرى أنّ هذا التراكم هو الذي أوصل إلى اللحظة الحالية، حيث باتت الاتصالات المباشرة أمرًا واقعًا، وقد تتطور تدريجيًا لتصل إلى اتفاقية سلام. ويحذّر من أنّ استمرار هذه الوتيرة سيفتح الباب أمام شرعنة الدور الإسرائيلي داخل لبنان، ليس فقط أمنيًا، بل أيضًا سياسيًا، عبر الحضور من خلال القنوات الرسمية اللبنانية، وهو ما يعتبره أخطر ما في المشهد.
وفي قراءته التفصيلية لمضمون البيان، يؤكد السبع أنّه لا يتضمن أي جديد يُذكر، إذ إن لبّه يتمحور حول مسألة نزع سلاح حزب الله، وهو مطلب إسرائيلي أساسي وواضح لم يتغيّر.
في المقابل، يشير إلى أنّ لبنان لم يطرح أي مطالب مقابلة ذات قيمة، باستثناء مسألة وقف إطلاق النار، ما يعكس خللًا واضحًا في ميزان التفاوض. كما يتوقف عند مسألة المساعدات الاقتصادية، موضحًا أنّ الإشارة إليها جاءت بصيغة غير ملزمة، من خلال استخدام كلمة “قد”، ما يعني أنّ الأمر يبقى في إطار الاحتمال وليس التعهد، وبالتالي لا توجد أي وعود أميركية فعلية يمكن البناء عليها.
ويعيد السبع التأكيد على أنّ هذا المشهد يمنح إسرائيل مادة سياسية قوية، إذ يمكن لرئيس وزرائها أن يقول إنه، وبفعل القوة العسكرية، أجبر لبنان على التفاوض المباشر، وأنه يسير في مسار إبعاد إيران عن لبنان، كما حصل سابقًا في سوريا. كما يتيح هذا الواقع للرئيس الأميركي أن يروّج للقاء على أنه نتيجة مباشرة للضغوط التي مارستها واشنطن في سياق المواجهة مع إيران.
وعلى المستوى الداخلي اللبناني، يحذّر السبع من تداعيات خطيرة لهذا المسار، معتبرًا أنّ مجرد الإقدام على هذه الخطوة سيؤدي إلى توترات كبيرة، وربما إلى صدامات داخلية.
ويذكّر بأنّ مسألة اللقاء مع الإسرائيليين أو الذهاب نحو السلام لا تزال تُصنّف ضمن المحرّمات لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وقد سبق أن تم التأكيد على هذا الموقف بشكل واضح من قبل قيادات سياسية ودينية، ما يجعل أي خرق لهذا السقف محفوفًا بالمخاطر.
وانطلاقًا من ذلك، يرى السبع أنّ لبنان يتجه نحو مشكلة كبيرة جدًا نتيجة هذا المسار، متسائلًا عمّا إذا كان بإمكان رئيس مجلس النواب نبيه برّي إيجاد مخرج سياسي يساهم في تجنّب الفتنة الداخلية، وفي الوقت نفسه يؤدي إلى إسقاط أي اتفاق لا يلائم المصلحة اللبنانية.
وفي محاولة لاستشراف السيناريوهات، يستعيد السبع تجربة اتفاق 17 أيار، متسائلًا عن كيفية إسقاطه في تلك المرحلة.
ويشير إلى أنّ ذلك تم نتيجة تحالف سياسي داخلي واسع، ضمّ شخصيات وازنة مثل نبيه برّي ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية ورشيد كرامي، حيث شكّلوا جبهة موحّدة كانت داعمة للمقاومة وقادرة على فرض توازن داخلي، إلا أنّه يلفت إلى أنّ هذا النموذج غير متوفر اليوم، في ظل الانقسامات الحالية.
كما يشير إلى عامل آخر كان حاسمًا آنذاك، وهو الدور السوري، إلى جانب الحركة الوطنية المدعومة من ليبيا، حيث كانت هناك بيئة إقليمية داعمة، وخطوط إمداد مفتوحة، وحتى دعم عسكري مباشر من الجيش السوري في بعض المراحل.
ويؤكد أنّ هذا العامل أيضًا لم يعد موجودًا في الوقت الراهن، ما يزيد من صعوبة إعادة إنتاج سيناريو مشابه.
ويشدد السبع على أنّ الظرف الدولي في عام 1983 يختلف بشكل جذري عن الظرف الحالي، ما يعني أنّ المقارنة التاريخية تبقى محدودة.
ويرى أنّ من يراهن على إمكانية إسقاط أي اتفاق عبر مقاومة سياسية أو شعبية، قد لا يأخذ بعين الاعتبار حجم التغيرات التي طرأت على موازين القوى، في حين أنّ عوامل الانهيار الداخلي باتت أكثر حضورًا وخطورة.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى أنّ التركيبة السكانية والسياسية في لبنان تلعب دورًا أساسيًا في تعقيد المشهد، مشيرًا إلى أنّ الطائفة الشيعية تمثل نحو ثلث الشعب اللبناني، وأن لها حضورًا وازنًا داخل مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش اللبناني، حيث تصل نسبتها إلى نحو 42%.
ويرى أنّ أي محاولة لمعالجة ملف سلاح حزب الله من دون مراعاة هذه الحقائق، ستؤدي حتمًا إلى انقسامات داخلية عميقة.
كما يحذّر من الطروحات التي قد يقدّمها الجانب الإسرائيلي خلال المفاوضات، والتي تتضمن، بحسب تقديره، ترتيبات أمنية معقّدة، تبدأ بوجود عسكري إسرائيلي بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية كشريط أمني، يليها نطاق يمتد حتى نهر الليطاني يُعتبر منطقة عمليات أو “خط نار” يسمح بتنفيذ توغلات وإنزالات عسكرية بموافقة الدولة اللبنانية، وصولًا إلى المنطقة الواقعة شمال الليطاني، التي ستُلقى على عاتق الجيش اللبناني مسؤولية ضبطها، بما في ذلك ملف نزع سلاح حزب الله، وإذ لا يعلم ما اذا كان الاتفاق سيؤدي الى انقسام داخل المؤسسة العسكرية لكن الطائفة الشيعية حاضرة داخل الدولة اللبنانية، وفي مختلف المؤسسات الأمنية والعسكرية والمدنية، وبالتالي فإنّ ذلك سيؤدي إلى انقسام كبير داخل البلاد.
ويختم السبع :”نحن، منذ الأمس وبعد صدور هذه الصورة، دخلنا في مسار مختلف بشكل كبير، وقد يفضي ذلك إلى اضطرابات على المستوى الداخلي.”

