عندما سمع اللبنانيون أن رئيس الحكومة نواف سلام طرح خلال جلسة مجلس الوزراء، في جلسة “حامية” سياسيًا، بعد يوم حامٍ عسكريًا، أن تكون بيروت الإدارية منزوعة السلاح، تبادر إلى أذهانه سؤال بديهي ألاّ وهو: لماذا لا يكون كل
لبنان منزوع السلاح؟ وهذا السلاح غير المنزوع، في رأي أكثرية اللبنانيين، تتخذ منه إسرائيل حجّة لتدمير ما تبقّى من آمال بإمكانية قيام لبنان من تحت ركام أزماته السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. وما شهدناه في “الأربعاء الأسود” أن تل أبيب لا تأبه بأي أعراف أو مواثيق دولية، وهي أصرّت على رفض أن يشمل اتفاق اسلام اباد لبنان، وذلك نظرًا إلى أنها مصممة على مواصلة ما ترتكبه في الجنوب من مجازر وصولًا إلى العاصمة، ومن غير المستغرب أن تعمّم “مأساة بيروت” في يومها الأسود على كل لبنان، رغم الاعلان عن مفاوضات لبنانية- اسرائيلية تبدأ الثلاثاء.
وما يُقال عن ضرورة نزع أي سلاح خارج الشرعية اللبنانية وقواها المسلحة من بيروت الإدارية، والمقصود بكلمة “إدارية” بالتحديد الضاحية الجنوبية، التي تقع ضمن جغرافية بيروت الإدارية، يعني أن يقوم الجيش والقوى الأمنية الأخرى بأول خطوة في مسيرة الألف ميل، وهي الدخول إلى كل مربعات الضاحية، والعمل على تفكيك منظومتها العسكرية والأمنية تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء في تاريخ 2 آذار، والذي حظر أي عمل عسكري أو أمني لـ “حزب الله”.
لكن تحويل بيروت الإدارية إلى منطقة منزوعة السلاح لا يمكن أن يكون مجرد قرار تقني أو أمني، بل هو قرار سياسي بامتياز، يرتبط بمفهوم الدولة نفسها، وبقدرتها على فرض سيادتها على كامل أراضيها.
فإذا كان نزع السلاح من بيروت خطوة أولى، فإن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو: هل هي بداية مسار يشمل كل لبنان، أم مجرد إجراء موضعي لاحتواء ضغوط خارجية أو لتمرير مرحلة معينة؟
التجربة اللبنانية لا توحي بكثير من الاطمئنان. فكم من قرار اتُّخذ ولم يُنفّذ، وكم من شعار رُفع ولم يُترجم، وكم من تسوية وُلدت ناقصة لأنها لم تعالج أصل المشكلة.
لبنان لا يحتاج إلى عاصمة منزوعة السلاح فقط، بل إلى دولة تحتكر السلاح. وهذه ليست مسألة جغرافيا، بل مسألة قرار. لأن السلاح لا يصبح شرعيًا أو غير شرعي بحسب موقعه، بل بحسب الجهة التي تملكه.
وفي بلد تتداخل فيه السياسة بالأمن، والإقليمي بالمحلي، لا يمكن فصل أي خطوة من هذا النوع عن التوازنات الداخلية والخارجية، ولا عن قدرة الدولة الفعلية على فرض ما تقرره.
ولهذا، قد يكون طرح “بيروت منزوعة السلاح” خطوة في الاتجاه الصحيح نظريًا،
لكن التحدي الحقيقي ليس في إعلانها، بل في القدرة على تنفيذها،والأهم في تعميمها.
فإما أن يكون لبنان كله تحت سقف الدولة، أو يبقى كل جزء منه رهينة معادلة مختلفة. ولكن من دون أن يعني ذلك أن تتنصّل الحكومة من مسؤوليتها تجاه ما يتعرّض له لبنان من مجازر إسرائيلية متنقلة. فلا يكفي إعلان يوم حداد. ولا يكفي وقوف الوزراء دقيقة صمت. ولا يكفي إعلان مواقف لا “تُصرف” سوى في سوق المزايدات الرخيصة، التي لن تردع إسرائيل عن ارتكاب ما ترتكبه من مجازر في حق جميع اللبنانيين، في بيروت الإدارية وفي الجنوب المسلوخ عن الوطن، وفي البقاع المهدّد أيضًا بفصله عن محيطه.
وبغض النظر عمّا يمكن أن يُتخذ من قرار في هذا الشأن فإن ثقة المواطن بحكومته، التي لم تستطع أن تنفذ أي قرار اتخذته، مفقودة. ويُضاف إلى فقدان هذه الثقة عامل آخر، وهو أن الدول، التي لا تزال تتعاطف مع لبنان، أقّله بالموقف، ستجد نفسها مضطرّة إلى إعادة “حساباتها العاطفية” تجاه بلد منزوعة الثقة منه.

