في ظل تصاعد التحديات التي تحيط بلبنان، داخليًا وخارجيًا، جاءت كلمة رئيس الجمهورية من بكركي لتؤكد أن المرحلة لم تعد تحتمل هامش المناورة، بل تتطلب تثبيت ركائز الاستقرار ومنع الانزلاق نحو المجهول، فخطاب الرئيس عون، الذي أتى في مناسبة عيد الفصح، حمل رسائل سياسية واضحة، تمحورت حول تحصين الساحة الداخلية، واحتواء تداعيات النزوح، والتصدي لمخاطر التصعيد الإسرائيلي.
وفي قراءة أعمق، عكس كلامه قلقًا متزايدًا من محاولات ضرب الاستقرار عبر البوابة الداخلية، ما يفسّر تركيزه على حماية السلم الأهلي ورفض أي مسار يؤدي إلى الفتنة، إلى جانب تمسكه بالمؤسسة العسكرية كركيزة أساسية في حماية البلاد، من خلال موقف حازم يضع الجيش خارج دائرة التجاذب، ويؤكد أن صونه يشكّل أولوية وطنية في مواجهة الضغوط والتحديات المتصاعدة.
وفي هذا السياق، رأى الصحافي والكاتب السياسي غسان ريفي، في حديثٍ لـ”ليبانون ديبايت”، أن “رئيس الجمهورية، في الأساس، مؤتمن على البلد في كل الأحوال، وهو اليوم يحاول حمايته. وأعتقد أن هاجس رئيس الجمهورية هو الوضع الداخلي أكثر من الخارجي، أو ربما كلاهما، لكن الخوف الأكبر ينبع من الداخل، لأنه يدرك تمامًا أن إسرائيل تسعى إلى إشعال فتنة داخلية لتسهيل تنفيذ أهدافها ومشاريعها الاستيطانية والاحتلالية والعدوانية، كما يدرك أن هناك من يريد سقوط هذا البلد، خصوصًا أن بعض الجهات، حتى قبل انتخابه، كانت تعتبر في دوائرها الضيقة أن سقوط لبنان وإعادة بنائه وفق صيغة تناسبها أقل كلفة من إعادة ترميمه على وضعه الحالي”.
وإعتبر أنه “من الطبيعي أن من يسعى إلى إسقاط أي بلد يبدأ باستهداف جيشه، وهذا الجيش، منذ تولي العماد رودولف هيكل قيادته، يتعرض لشتى أنواع الضغوط والاستهداف والانتقادات، لذلك، كان موقف رئيس الجمهورية حاسمًا مؤخرًا، حين شدد على أن الجيش خط أحمر، وكرر ذلك اليوم في بكركي، مؤكدًا أن أي ملاحظة أو اعتراض يجب أن يُوجَّه إلى قيادة الجيش مباشرة، لأن الحملات الإعلامية تؤثر سلبًا على المعنويات، وعليه، فإن الأولوية الأساسية لرئيس الجمهورية هي حماية الجيش، باعتباره صمام الأمان الأخير والحصن الحصين لهذا البلد”.
وأشار إلى أن “هناك من ينفذ أجندات خارجية، ولا سيما أجندات لبعض الجهات الأميركية، من بينهم السيناتور ليندسي غراهام ومن يدور في فلكه، الذين يسعون إلى إضعاف الجيش وتحويله إلى أداة تخدم المصالح الإسرائيلية، بما قد يؤدي إلى فتنة داخلية أو حتى حرب أهلية، من هنا، يأتي موقف رئيس الجمهورية الذي يدرك خطورة هذا المسار، ويعمل على حماية الوطن من خلال حماية مؤسسته العسكرية، كما أن خطابه يندرج أيضًا في إطار حماية لبنان من العدوان الإسرائيلي، لا سيما في ظل سعيه لحماية المنشآت الحيوية، وقد برز ذلك في التهديدات الأخيرة التي طالت معبر المصنع، والذي لا يزال مشلولًا منذ ساعات طويلة، ما يعكس مؤشرات على نية إسرائيل فرض حصار على لبنان”.
وفي هذا الإطار، لفت ريفي إلى أن “اتصالات رئيس الجمهورية مع مختلف الدول والجهات الدولية تدفعه أحيانًا إلى إطلاق مواقف قد لا تلاقي قبولًا لدى البعض في الداخل، لكنها تهدف إلى بناء شبكة أمان تحمي المؤسسات والبنى التحتية، وتحث هذه الدول على الضغط على إسرائيل لعدم توسيع اعتداءاتها، خصوصًا في ظل التصعيد الأخير، حيث شهدت مناطق عدة، من الضاحية إلى الجناح وصولًا إلى الجنوب وصيدا، موجة من القصف والاعتداءات، ما يعكس حجم التهديد القائم”.
في موضوع الفتنة، أوضح أن “الرئيس عون حاول أيضًا اعتماد النهج نفسه الذي اتبعه في الحديث عن التشكيك في دور الجيش، من خلال التأكيد أن الفتنة خط أحمر، وقد شدّد على وعي اللبنانيين، وأن لا نية لاندلاع حرب أهلية، وهو موقف يتحمّل مسؤوليته في المرحلة المقبلة، بالتالي، هو يواجه اليوم خطر الفتنة، إلى جانب خطر إضعاف أو إسقاط الجيش اللبناني، كما كانت له لفتة إيجابية تمثّلت في محاولة رفع معنويات النازحين، من خلال التأكيد على الوقوف إلى جانبهم، وأن الدولة لن تنساهم، وستبقى داعمة لهم في مختلف الظروف”.
وختم ريفي: “نحن اليوم أمام مشروع إسرائيلي كبير، يتجاوز مسألة نزع سلاح حزب الله، لا سيما أن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة تشير إلى أن هذا الهدف لم يعد أولوية، وهذا يعني أن الهدف الفعلي بات التوجه نحو احتلال أجزاء من الجنوب وفرض واقع جديد، وعليه، لم يعد الصراع محصورًا بسلاح حزب الله، بل بات يتعلق بمواجهة مشروع احتلالي، ما يجعل هذه القضية تمس جميع اللبنانيين، من رئيس الجمهورية إلى سائر القيادات والشعب، الذين باتوا معنيين بمواجهة هذا الخطر والتصدي لأي محاولة لفرض أمر واقع جديد على الأرض”.

