في ظلّ التصعيد العسكري المتواصل على الجبهة الجنوبية، وتزايد المؤشرات على اتساع رقعة المواجهة داخل لبنان، تتجه الأنظار إلى طبيعة التحوّلات الميدانية وأهدافها الاستراتيجية، في وقت تتقاطع فيه العمليات العسكرية مع رسائل إقليمية ودولية بالغة الحساسية. وفي هذا السياق، يحذر الخبير العسكري العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي في حديث إلى “ليبانون ديبايت” من مسار تصاعدي قد يفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويرى بالوكجي، أن ما يشهده الجنوب لم يعد يندرج ضمن إطار العمليات المحدودة، بل تطوّر إلى حضور عسكري أوسع يتجاوز مفهوم “المنطقة العازلة”. ويشير إلى أن هذا الانتشار أسهم، إلى حدّ ما، في الحدّ من وصول الصواريخ المباشرة إلى شمال إسرائيل، كما انعكس جزئيًا على مناطق حدودية مثل الخيام.
ويؤكد أن الجيش الإسرائيلي يعتمد استراتيجية تمركز مدروس وتوغّل متدرّج، لا سيما في المحور الشرقي، بما يسمح له بالسيطرة على نطاق واسع بطريقة ديناميكية، من دون تثبيت وجود احتلالي مباشر وثابت. ويضيف أن هذا التقدّم يتم بوتيرة بطيئة ومتواصلة، خصوصًا خلال الليل، انطلاقًا من نقاط مثل بنت جبيل، من دون بلوغ سيطرة كاملة على القطاع.
ويصنّف بالوكجي هذا النمط ضمن “حرب استنزافية بطيئة”، بانتظار اتضاح المشهد الإقليمي، وخصوصًا في إيران، قبل الانتقال إلى مراحل أكثر عمقًا داخل الأراضي اللبنانية.
وفي قراءة لخطط الميدان، يستند إلى تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي حول تهجير نحو 600 ألف شخص من الجنوب، معتبرًا أن هذا الطرح يعكس محاولة لرسم خريطة تقسيم إداري جديد، تبدأ بخط أول يمتد بين 3 و4 كيلومترات يتم فيه تدمير القرى بالكامل، يليه خط ثانٍ يضم مناطق مثل بنت جبيل، وصولًا إلى خط ثالث قد يمتد حتى نهر الزهراني، تبعًا لطبيعة الردود الصاروخية وعمق الأهداف داخل إسرائيل.
أما في ما يتعلق بإمكانية توسّع العمليات، فيستبعد حصول انتشار إسرائيلي واسع إضافي في الجنوب في المرحلة الراهنة، مرجّحًا في المقابل تسجيل تحركات في البقاع، انطلاقًا من مناطق مثل كفرشوبا وامتداد الجولان السوري نحو القنيطرة، بهدف تحقيق توازن ميداني بين جبهتي الجنوب والبقاع.
وعن سيناريو دخول قوات كبيرة إلى بيروت، يؤكد أنه غير مرجّح حاليًا، مشددًا على أن ذلك يتطلب تحوّلات ميدانية كبرى لم تتوافر بعد.
ويحذّر بالوكجي من تحدّيين أساسيين في المرحلة المقبلة: الأول يتعلّق بالقرى ذات الغالبية المسيحية الواقعة على خطوط التماس، حيث يرفض سكانها الانخراط في الصراع، والثاني يرتبط بموقع الجيش اللبناني، الذي يجد نفسه محكومًا بقرار سياسي غير واضح، في ظل غياب حسم بين خيار المواجهة مع إسرائيل أو التنسيق الكامل مع حزب الله، رغم وجود الأخير ضمن الحكومة.
ويشير إلى أن استمرار العمليات، خصوصًا في مناطق مثل بنت جبيل، قد ينعكس سلبًا على القدرات اللوجستية والميدانية للجيش اللبناني، ما يجعل تموضعه في الجنوب ضرورة ملحّة، لكنها بالغة التعقيد في ظل الظروف الراهنة.
وفي سياق متصل، يتوقف بالوكجي عند حادثة سقوط المسيّرة فوق بلدة آسيا في قضاء البترون، مرجّحًا أنها كانت في طريقها إلى قاعدة حامات الجوية، ومعتبرًا أن هذا التطور يشكّل مؤشرًا واضحًا على توسّع نطاق العمليات داخل العمق اللبناني. ويكشف أن المسيّرة انطلقت من جهة البقاع وكانت على بعد نحو 15 كيلومترًا من هدفها.
ويؤكد أن قاعدة حامات تُعد موقعًا استراتيجيًا نظرًا لدورها اللوجستي، ما يضعها ضمن بنك الأهداف المحتملة في أي تصعيد. كما يشير إلى أن التهديدات التي طالت السفارة الأميركية في بيروت، والتي دفعت الموظفين إلى النزول إلى الملاجئ، تعكس مستوى مرتفعًا من الجدية في الرسائل الميدانية، خصوصًا مع الحديث عن صواريخ أو مسيّرات قد تُطلق من البحر باتجاهها.
ويعتبر أن إدراج السفارة الأميركية وقاعدة حامات ضمن الأهداف المحتملة يحمل أبعادًا رمزية واستراتيجية، إذ إن أي إصابة مباشرة لهذين الموقعين قد تُحدث توازنًا ردعيًا، في ظل ارتباط ذلك بمحور داعم لحزب الله.
ويضيف أن بعض هذه التطورات قد يجري التكتم عليها داخليًا لأسباب أمنية، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من العمليات باستخدام المسيّرات والصواريخ، ضمن سياسة تصاعدية تعتمدها إيران وحلفاؤها، حيث يتم تجميع بعض المسيّرات محليًا من مكوّنات مستوردة، بالتوازي مع رصد تحركات لصواريخ ذات قدرات متقدمة.
ويرجّح أن يلجأ حزب الله إلى استخدام هذه القدرات لتحسين معادلة الردع عبر استهداف مواقع استراتيجية، إلا أنه يحذّر من أن ذلك قد يشكّل نقطة تحوّل خطيرة، نظرًا لما قد يترتب عليه من تداعيات واسعة على الداخل اللبناني، تشمل استهداف بنى تحتية وموجات تهجير إضافية قد تتجاوز الضاحية إلى مناطق أخرى.
وفي موازاة ذلك، يلفت إلى تعزيزات عسكرية في شرق المتوسط، تتضمن انتشار مدمرات أميركية قرب قبرص، إلى جانب دوريات جوية بريطانية وتحركات بحرية إسرائيلية، في إطار حماية المصالح الأميركية والأهداف الحساسة في لبنان.
ولا يستبعد بالوكجي احتمال تنفيذ استهدافات انطلاقًا من الداخل اللبناني، مشيرًا إلى أن مستوى التنسيق التكتيكي بين إيران وحزب الله بات واضحًا، كما يظهر من خلال إطلاق صواريخ متزامن من جبهات عدة، بينها اليمن وسوريا ولبنان، نحو أهداف داخل إسرائيل.
ويؤكد أن أي استهداف للسفارة الأميركية أو منشآت مرتبطة بها قد يكون نتيجة تنسيق مباشر أو غير مباشر مع الداخل اللبناني، موضحًا أن هذا الارتباط يبقى في الإطار التكتيكي أكثر منه استراتيجيًا شاملاً.
ويختم بالوكجي بالتشديد على ضرورة تحصين الوضع الداخلي في هذه المرحلة الحساسة، في ظل غياب قرار سياسي واضح، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الاستقرار ومنع الانزلاق إلى فوضى أمنية، في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بتطور قدرات المسيّرات والصواريخ واحتمال استهداف مواقع حساسة داخل لبنان.

