في السياسة اللبنانية، لا يُفاجئ اللبنانيون بتبدّل المواقف، لكن الصادم هو تحوير الوقائع وتحميلها ما لا تحتمل، ثم تسويق ذلك على أنّه “حقيقة”. هذا تمامًا ما فعله النائب وليد البعريني في ادعائه الأخير حول مبلغ المئة ألف دولار الذي قدّمه النائب فؤاد مخزومي، حين حاول قلب دعم إنساني–إنمائي إلى “هدية سياسية” مرتبطة برئاسة الحكومة.
المعلومات المؤكدة لا تترك مجالًا للالتباس: لم يُطرح، لا من قريب ولا من بعيد، أي حديث عن دعم مالي مقابل انتخاب رئيس حكومة. المبلغ المذكور يعود إلى نهاية عام 2022، في مرحلة سياسية مختلفة كليًا عن اليوم، حين لم تكن هناك لا تسميات ولا استشارات ولا حتى أفق سياسي يسمح بطرح اسم فؤاد مخزومي مرشحًا لرئاسة الحكومة، في ظل هيمنة الثنائي الشيعي و”حزب الله” على مفاصل القرار، وتسمية نجيب ميقاتي كمرشح الأمر الواقع.
الأكثر دلالة أن النائب وليد البعريني نفسه، وكتلته النيابية، كانوا حينها جزءًا من التموضع السياسي الذي انتهى بتسمية نجيب ميقاتي، مرشح “حزب الله” وحلفائه. وكان معلومًا، لمخزومي ولغيره، أن أصوات عكار ونوابها ستذهب في هذا الاتجاه. فكيف يُعقل الادعاء اليوم بأن دعمًا قُدِّم في تلك المرحلة كان “رشوة سياسية” لانتخاب رئيس حكومة؟
الحقيقة البسيطة، غير القابلة للتأويل، أن النائب وليد البعريني هو من طلب مبلغ المئة ألف دولار لدعم مشاريع مياه وآبار في عكار، استجابة لحاجة ملحّة لأهالي منطقة محرومة ومهملة من الدولة. وهو دعم إنمائي موثّق، لا صفقة سياسية، ولا “هدية شخصية”.
ولمن يريد دليلاً إضافيًا، يكفي التذكير بما حصل عقب حادثة انهيار المبنى في طرابلس، حيث بادر فؤاد مخزومي فورًا إلى تخصيص 100 ألف دولار لدعم المتضررين، وأطلق صندوق إغاثة مفتوحًا لأهالي المدينة. يومها لم يسأل مخزومي عن الانتماءات السياسية، ولا عن التحالفات، ولا عن الخصومة أو الصداقة. فعل ما اعتاد عليه: دعم الناس حيث تغيب الدولة ويتقاعس ممثلوها.
من هنا، يصبح الادعاء الأخير افتراءً واضحًا ومحاولة مكشوفة للهروب من الحقيقة: مخزومي يساعد عكار وطرابلس والشمال كما يساعد غيرها، بلا حسابات انتخابية ضيقة، فيما يحاول بعض النواب تحويل الدعم الإنساني إلى مادة شعبوية، بدل الاعتراف بالتقصير.
وإذا كان لا بد من استخلاص حقيقة واحدة، فهي هذه: فؤاد مخزومي يدفع من ماله لدعم الناس، فيما النائب المُحوِّر يطلب الدعم ثم يحوّره، رغم أن الجميع يعرف إمكاناته المالية وخلفيته داخل منظومة حكم هندسها “حزب الله” التي أنتجت حينها سلطة نجيب ميقاتي.

