أصبحت مدينة طرابلس محطّ أنظار الرأي العام وملفًا أساسيًا على الساحة اللبنانية، بعد انهيار مبنيين سكنيين كان آخرهما مبنى في منطقة باب التبانة، ما أدى إلى سقوط 14 ضحية. الحادثة المأساوية فجّرت موجة تضامن واسعة مع المدينة وأهلها، بالتوازي مع احتجاجات شعبية عمّت شوارع طرابلس، عبّر خلالها المواطنون عن غضبهم إزاء الإهمال المزمن والمخاطر التي تهدّد السلامة العامة.
114 مبنى مهددًا بالانهيار!
كما ترأس رئيس مجلس الوزراء نواف سلام اجتماعاً موسعاً في السرايا الحكومية لمتابعة تنفيذ الإجراءات اللازمة للتصدي لقضية الأبنية المتصدّعة في المدينة.
وعقب الاجتماع، أعلن سلام سلسلة قرارات عاجلة، أبرزها إخلاء 114 مبنى مهدداً بالسقوط في طرابلس، والعمل على تأمين بدل إيواء وسكن للعائلات المتضررة، على أن تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية تقديم المساعدات اللازمة لضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي للأسر التي ستغادر منازلها.
كما أكد رئيس الحكومة استكمال أعمال المسح الميداني من قبل الهيئة العليا للإغاثة في طرابلس، استناداً إلى المسح الأولي الذي أجرته نقابة المهندسين، وذلك لتحديد الأبنية الأكثر خطورة ووضع خطة تدخل سريعة تشمل المعالجة أو التدعيم أو الإزالة عند الضرورة.
تضامن محلي ودولي
وأثارت الفاجعة موجة تضامن محلي ودولي واسعة، حيث عبّرت جهات رسمية وشعبية ومنظمات إنسانية عن تعاطفها مع أهالي المدينة، مؤكدة وقوفها إلى جانب الضحايا وذويهم في هذا الظرف الإنساني الصعب.
في السياق، طالب رئيس حركة الاستقلال النائب ميشال معوض الدولة بتحمّل مسؤولياتها فورًا بعد كارثة طرابلس.
وفي منشور عبر منصة “إكس” كتب: “مشاركًا في عيد مار مارون في طرابلس المجروحة، نرفع صلواتنا مع عائلات الضحايا، ونتمنى الشفاء العاجل للجرحى”.
وتابع: “المطلوب اليوم، وفورًا، وبعيدًا عن تقاذف المسؤوليات المرفوض، أن تتحمّل الدولة واجباتها كاملة في هذا الملف: أن تضع يدها عليه، أن تؤمّن فورًا قدرات الإيواء الآمن للأهالي المقيمين في مبانٍ مهدّدة بالانهيار، وأن تبادر إلى خطة مستدامة لإعادة ترميم هذه المباني، وإنشاء مساكن اجتماعية لائقة تحفظ كرامة الناس وأمنهم”.
وختم: “كفى إهمالًا بحق طرابلس والشمال. ما يجري لم يعد تقصيرًا… بل بات إجرامًا موصوفًا بحق مدينة وأهلها”.
بدورها، تقدّمت نقابة الصيادلة في لبنان برئاسة النقيب عبد الرحمن مرقباوي، بأحرّ التعازي إلى مدينة طرابلس وأهلها وعائلات الضحايا الذين سقطوا جراء انهيار مبنى سكني للمرة الثانية خلال شهر واحد، وتمنت “الشفاء العاجل” للجرحى.
وقالت في بيان: “لا يمرّ يوم على لبنان دون سقوط شهداء وسفك دماء، من أقصى الجنوب الصامد إلى طرابلس الفيحاء. بين غارات تستهدف أهلنا في الجنوب، وكوارث تحصد الأرواح في الشمال، تبقى الحقيقة واحدة: المواطن يُترك وحيداً أمام الموت، وانهيار المباني فوق رؤوس ساكنيها هو واقع لا يمكن القبول به بعد اليوم”.
وأكدت نقابة الصيادلة أنّ “الصمت لم يعد مقبولاً، وأنّ المطلوب تحرك فوري وشفاف واتخاذ إجراءات جذرية تمنع تكرار هذه الجرائم بحق اللبنانيين”.
ودعت النقابة إلى “تحمّل السلطات كافة مسؤولياتها القانونية والأخلاقية قبل أن تتحول الكوارث إلى قدر يومي”.
كما عقد مجلس نقابة المحامين في طرابلس اجتماعًا طارئًا بدعوة من النقيب مروان ضاهر، لبحث التطورات الخطيرة الناتجة عن تكرار انهيار الأبنية في مدينة طرابلس، وما يشكّله ذلك من خطر داهم على أرواح المواطنين وسلامتهم.
وعقب الاجتماع، صدر بيان شديد اللهجة اعتبر أنّ ما تشهده طرابلس لم يعد حوادث متفرقة، بل نتيجة إهمال ممنهج وتقصير جسيم رغم التحذيرات المتكررة. ورأت النقابة أنّ تجاهل التنبيهات السابقة حوّل الكارثة من قدر محتمل إلى قرار متعمّد، محمّلة الجهات المعنية مسؤولية مباشرة عمّا يحصل.
وأكدت النقابة أنّ استمرار انهيار الأبنية خلال فترة زمنية قصيرة، وبعد بيانات وتحذيرات علنية، يُثبت فشلًا واضحًا في أداء الواجبات القانونية والرقابية، ويشكّل إخلالًا جسيمًا بالمسؤوليات الإدارية والفنية، بما يرتّب تبعات قانونية وجزائية على جميع المعنيين دون استثناء.
وشدد البيان على أنّ الأرواح ليست أرقامًا تُحصى بعد الكوارث، وأنّ أي انهيار جديد سيُعدّ جريمة إهمال مكتملة العناصر، معروفة الأسباب، ومسبوقة بتحذيرات واضحة. وأعلنت النقابة رفضها القاطع لتحويل طرابلس إلى مدينة متروكة لمصيرها.
وطالبت نقابة المحامين بفتح تحقيق فوري وشفاف بإشراف قضائي مباشر لتحديد المسؤوليات، وإجراء كشف هندسي عاجل وشامل على الأبنية المهددة بالانهيار بالتنسيق مع نقابة المهندسين وبلدية طرابلس، واتخاذ قرارات فورية بالإخلاء حيث يلزم، ووقف منح أي تراخيص أو أعمال ترميم شكلية للأبنية الخطرة إلى حين معالجتها وفق الأصول القانونية والفنية.
كما دعت إلى إعلان نتائج التحقيقات والكشوفات الهندسية ضمن مهلة زمنية واضحة، ووضع خطة طوارئ شاملة لمعالجة ملف الأبنية الآيلة للسقوط، وتحميل الجهات المعنية كامل المسؤولية عن أي أضرار لاحقة ناتجة عن التقاعس أو التأخير. وطالبت أيضًا بإنشاء صندوق تضامن وطني لتأمين الإيواء العاجل للمتضررين والمباشرة بتدعيم الأبنية.
من جانب آخر، تلقى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي اتصالًا هاتفيًا من نظيره الأردني أيمن الصفدي، الذي قدّم خلاله تعازي المملكة الأردنية الهاشمية بضحايا الحادث المأساوي الذي وقع في منطقة باب التبانة في مدينة طرابلس.
وأعرب الوزير رجي عن بالغ شكره وتقديره للمملكة الأردنية قيادةً وحكومةً وشعبًا على مشاعر التضامن الصادقة والمؤازرة الأخوية للبنان في هذا الظرف الأليم، مثمّنًا المبادرة الأردنية واستعدادها لتقديم المساعدة بتوجيه من جلالة الملك عبدالله الثاني.
وأكد رجي أنّ هذه اللفتة الأخوية تعبّر عن عمق العلاقات التاريخية والمتينة التي تجمع لبنان والأردن، وتعكس روح التضامن الدائم بين الشعبين الشقيقين، مشيدًا بالدعم المستمر الذي تقدّمه المملكة للبنان في مختلف المحطات والظروف.
في حين صدر عن السفارة الفرنسية في لبنان بيان أكدت فيه أنّ فرنسا تقف إلى جانب لبنان ومدينة طرابلس بشكل خاص، في أعقاب انهيار مبنى في حي باب التبانة.
وأعرب السفير هيرفي ماغرو، باسم السفارة وجميع العاملين فيها، عن أحرّ التعازي لذوي الضحايا، مؤكّدًا التضامن الكامل مع فرق الإنقاذ العاملة في موقع الحادث.

