كتب محمد دهشة في نداء الوطن:
لم تهدأ تداعيات “الجريمة البيئية” التي ارتكبتها إسرائيل برش مواد كيميائية ومبيدات سامّة فوق المناطق الجنوبية القريبة من الخط الأزرق على الحدود الدولية، في إطار حربها المفتوحة ضد لبنان، حيث تحرّكت الدولة اللبنانية برئاساتها ووزاراتها، وصولًا إلى قوات الطوارئ الدولية – “اليونيفيل”، التي أكّدت وقوع الأمر.
وبين القلق الشعبيّ والترقب الرسميّ، ارتفعت التساؤلات حول المادة التي قامت إسرائيل برشها وخطورتها، حيث ذكرت مصادر بيئية لـ”نداء الوطن” أن نتائج تحليل العيّنات التي جمعها الجيش اللبناني بمساعدة قوات “اليونيفيل” أظهرت أن المبيد هو مادة “غليفوسات” الكيميائية (Glyphosate)، وهي تُستخدم لقتل الأعشاب الضارّة، ولها تأثيرات سلبية على المياه والتربة والمزروعات.
ووفقًا للمصادر، فإن خطورة هذه المبيدات تزداد عند رشها أكثر من مرّة، كما تفعل إسرائيل في جنوب لبنان وغزة، حيث تقوم بجولات رش منتظمة عدّة مرّات في السنة وعلى مساحات واسعة، ما يُعدّ استمرارًا في تطبيق سياسة الأرض المحروقة التي تنتهجها إسرائيل.
البزري يحذر
تطابقت هذه المعلومات مع ما أكّده عضو لجنة الصحة النيابية النائب الدكتور عبد الرحمن البزري لـ “نداء الوطن”، إذ قال إن المعلومات المتوفرة حول المادة التي رشتها إسرائيل تشير إلى أنها “غليفوسات”، وهي مصنفة من قبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان مادة يُحتمل أن تكون مسرطِنة للإنسان، فضلًا عن تأثيراتها الصحّية المباشرة وغير المباشرة، ولا سيّما عند التعرّض المتكرّر أو غير المنضبط لها.
وحذر النائب البزري من خطورة مادة “غليفوسات”، موضحًا أن تأثيرها يقوم على تعطيل إنزيم أساسي تعتمد عليه النباتات في نموّها، ما يؤدّي إلى تدمير الغطاء النباتي والقضاء على المزروعات خلال فترة قصيرة. وأشار إلى أن الاستخدام المعتاد لهذه المادة يقتصر على إزالة الأعشاب غير المرغوب فيها في أماكن محدودة، إلّا أن رشها في مناطق حدودية مأهولة قد يحمل دلالات تتجاوز الاستخدام الزراعيّ، وقد يندرج في محاولات إضعاف القدرة الزراعية للأراضي والتأثير في إمكانية استثمارها أو السكن فيها مستقبلًا.
ولفت البزري إلى أن خطورة ما حدث لا ترتبط فقط بطبيعة المادة، بل بطريقة استخدامها الرش الجوي، وأكد أن هذا الأسلوب يزيد احتمالات تلوّث المحاصيل الغذائية ومصادر المياه، إضافة إلى وصول المواد الكيميائية إلى المناطق السّكنية، ما يفاقم المخاطر الصحّية والبيئية ويثير مخاوف من تعمّد استهداف مناطق إنتاج غذائي ومناطق مأهولة.
ونبّه البزري إلى أن الدراسات العلمية تربط، على المدى البعيد، التعرّض المزمن لهذه المادة بزيادة مخاطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، خصوصًا المرتبطة بالجهاز اللمفاوي، إلى جانب احتمالات حدوث اضطرابات في الدم والتوازن الهرموني، ما قد يؤثر في الخصوبة والنموّ والحمل.
خطة إسرائيلية
يؤكد رئيس بلدية مروحين محمد غنام لـ “نداء الوطن” أن الأحراج والمزروعات في البلدة تعرّضت للرش بهذه المادة، عن سابق تصوّر وتصميم، في إطار خطة إسرائيلية ممنهجة لاستكمال القضاء على ما تبقى في البلدة بعد تدميرها وتهجير أبنائها بالكامل، مشيرًا إلى أن إسرائيل لا تبالي بالقوانين والأنظمة الدولية، وقد ارتكبت مجازر عمدًا وقصفت بالفوسفور الأبيض من دون مراعاة أيّ اعتبار إنساني.
وأوضح غنام أن هذا الموضوع سيكون على جدول اللقاء مع رئيس الحكومة نواف سلام، الذي سيزور الجنوب، من أجل تحرّك الدولة لإعادة الإعمار وعودة الأهالي، وتوفير خطة صمود في الأرض، بعيدًا من تحقيق أهداف إسرائيل في جعلها أراضي محروقة غير صالحة للحياة.
مسؤوليات الدولة
يضع هذا الملف الدولة اللبنانية أمام تحدّيات ملحّة تتعلّق بضرورة التحرّك على المستويين الصحي والبيئي، عبر إجراء دراسات ميدانية وتحاليل علمية دقيقة لتحديد حجم الأضرار المحتملة، وتأمين خطط وقائية لحماية السكان والقطاع الزراعيّ.
كما يفرض التحرّك على المستويين الدبلوماسي والقانوني، من خلال متابعة القضية ضمن الأطر الدولية المختصة، بما يضمن توثيق الانتهاكات الإسرائيلية ومحاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى العمل على حماية الأراضي الزراعية والبيئة من تداعيات قد تمتدّ آثارها لسنوات طويلة، في وقت يشكّل فيه الأمن الصحّي والغذائي عنصرًا أساسيًّا من عناصر صمود المجتمعات الحدودية واستقرارها.

