بعد التحركات والإضرابات المتتالية في التعليم الرسمي، التي قادتها روابط التعليم الثانوي والمهني والأساسي، وترافقت مع تحركات ميدانية على هامش جلسات مجلس النواب المخصّصة لمناقشة موازنة عام 2026، وهي موازنة لم تلحظ أي زيادة تُذكر على رواتب الأساتذة وموظفي القطاع العام، يعود الملف التربوي إلى الواجهة مجددًا بسيناريوهات تصعيدية متباينة تعكس حجم الاحتقان وعمق الهوّة بين الجسم التعليمي والحكومة.
وفي موازاة الغضب المتراكم داخل المدارس الرسمية، برز تباين واضح في المقاربات داخل فروع رابطة التعليم الثانوي، بين من يدعو إلى منح مهلة أخيرة للحكومة، ومن يرى أنّ زمن الانتظار والمماطلة انتهى، وأنّ التصعيد بات خيارًا لا مفرّ منه.
وبحسب أوساط تربوية لـ”ليبانون ديبايت”، طرح فرع الجنوب في رابطة التعليم الثانوي مقاربة تقوم على إعطاء الحكومة مهلة زمنية محدّدة تمتد حتى منتصف شهر شباط، لإقرار المطالب المحقّة للأساتذة، وفي طليعتها تصحيح الرواتب وبدل الإنتاجية، على أن يُقابل فشل هذه المهلة بخيارات تصعيدية كبرى، أبرزها مقاطعة الامتحانات الرسمية وأعمال الانتخابات النيابية.
وتؤكّد هذه الأوساط أنّ ما طُرح حتى الآن لا يزال في إطار الاقتراح، بانتظار الموقف النهائي للروابط مجتمعة، وما إذا كان المزاج العام سيتّجه نحو التهدئة المرحلية أو المواجهة المفتوحة.
في المقابل، جاء موقف فرع الشمال في رابطة التعليم الثانوي أكثر تشدّدًا، إذ رفض بشكل قاطع سياسة المهل والتسويف، معتبرًا أنّ التجارب السابقة أثبتت أنّ الحكومة لا تستجيب إلا تحت ضغط الشارع. وبحسب المعلومات، يقترح فرع الشمال سلّة خطوات تصعيدية تبدأ بإضراب تحذيري لمدة أسبوع، قابل للتجديد تبعًا للأجواء الصادرة عن الدولة وحتى 15 شباط، على أن يُستكمل لاحقًا بإعلان إضراب مفتوح بعد انقضاء المهلة التي طلبتها الحكومة، مرفقًا بمقاطعة الانتخابات النيابية.
كما يشمل المقترح تنظيم سلسلة تحركات مركزية ومناطقية، إلى جانب تجهيز وفد تربوي للقاء رئيس الجمهورية، مع التشديد على المطلب الأساسي المتمثّل بتصحيح الرواتب وفق معيار “37 ضعفًا”، الذي تعتبره الروابط الحدّ الأدنى لاستعادة جزء من القدرة الشرائية المفقودة.
وتشير الأوساط التربوية إلى أنّ الأسبوع المقبل سيكون مفصليًا في تحديد المسار، إذ سيكشف ما إذا كانت الحكومة ستلتقط الفرصة الأخيرة المتاحة أمامها لتفادي انفجار تربوي شامل، أم ستواصل سياسة التجاهل، ما يفتح الباب أمام شلل واسع في القطاع قد يصل إلى حدّ مقاطعة الامتحانات الرسمية، أو حتى إنهاء العام الدراسي مبكرًا في بعض المدارس.
وفي هذا السياق، تحذّر مصادر تعليمية عبر “ليبانون ديبايت” من أنّ أي تصعيد غير مضبوط سيضع التلامذة مجددًا في دائرة الخسارة، غير أنّها تشدّد في المقابل على أنّ الأساتذة لم يعودوا قادرين على تحمّل كلفة الانتظار، في ظل رواتب فقدت قيمتها الفعلية، وأعباء معيشية تتفاقم يومًا بعد يوم، من دون أي رؤية إنقاذية واضحة من قبل الدولة.
وبين من يراهن على مهلة أخيرة، ومن يدفع باتجاه المواجهة المفتوحة، يبقى التعليم الرسمي معلّقًا على قرار سياسي غائب حتى الآن، فيما تبدو الكرة في ملعب الحكومة: إمّا التقاط الفرصة ومعالجة المطالب قبل فوات الأوان، وإمّا الذهاب نحو تصعيد لن يوفّر أحدًا، وسيضع العام الدراسي والامتحانات الرسمية مجددًا على مشرحة التجاذب، على حساب الأساتذة والتلامذة معًا.

