خاص موقع Jnews Lebanon
لم يعد الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الغذائية داخل السوبرماركات مجرد ظاهرة أو انعكاساً لتقلبات خارجية، بل بات مؤشراً فاضحاً على خلل بنيوي في آليات السوق، إذ سجل الغلاء في الأشهر الأخيرة نسباً لامست الخمسين بالمئة من دون أن يقابله أي تبدل جوهري في سعر الصرف أو كلفة الاستيراد أو حتى في سلاسل الإمداد، ما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات اقتصادية مشروعة حول من يدفع هذا المسار ومن يستفيد من تركه بلا كوابح.
من زاوية يشير خبير اقتصادي عبر Jnews، انه لا يمكن التعامل مع هذه القفزات السعرية على أنها نتاج عوامل تلقائية، لأن الاقتصاد لا يتحرك في فراغ، والأسعار لا ترتفع من تلقاء نفسها، بل تُرفع حين يغيب الرقيب وتُترك السوق لغرائز الاحتكار والتسعير العشوائي، وحين تتحول الفوضى إلى بيئة عمل مريحة للتجار الكبار، فيُعاد تسعير السلع وفق منطق ما يُحتمل دفعه لا وفق كلفة حقيقية أو هامش ربح منطقي.
الأخطر في المشهد بحسب الخبير، أن هذا الغلاء لا يُقابَل بأي حضور فعلي لمصلحة حماية المستهلك، لا جولات تفتيش، لا محاضر ضبط، ولا حتى بيانات توضيحية، وكأن الرقابة تحولت إلى بند مؤجل في دولة اعتادت إدارة الأزمات عبر الإنكار لا المواجهة، بالتالي هذا الغياب لا يُقرأ اقتصادياً كإهمال إداري فحسب، بل كرسالة ضمنية للسوق مفادها أن التسعير متروك للميزان القاسي بين التاجر والمواطن، ميزان يميل دائماً على حساب القدرة الشرائية المنهكة.
اقتصادياً، حين ترتفع أسعار الغذاء بهذه الوتيرة من دون مبررات كلفوية، فإن ذلك يعني انتقال التضخم من خانة التأثر بالعوامل الخارجية إلى خانة التضخم الداخلي الناتج عن سوء الحوكمة وضعف الضبط، وهو أخطر أنواع التضخم لأنه يُنتج فقراً دائماً لا مؤقتاً ويضرب الطبقة الوسطى في صميم استقرارها، ويفكك ما تبقى من شبكة أمان اجتماعي كانت تستند إلى الحد الأدنى من القدرة على تأمين الغذاء.
الخبير الاقتصادي عينه، يلفت هنا إلى أن استمرار هذا المسار من دون تدخل جدي سيؤدي إلى إعادة رسم الخريطة الاستهلاكية في لبنان، حيث تتحول السلع الأساسية إلى كماليات، ويُدفع المواطن قسراً نحو تقليص نوعية غذائه لا كميته فقط، بما يحمله ذلك من انعكاسات صحية واجتماعية بعيدة المدى، وهو ثمن لا يظهر فوراً في الأرقام لكنه يتراكم بصمت في جسد المجتمع.

