في ظلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة وتراجع القدرة الشرائية، تشهد منصّات التواصل الاجتماعي في لبنان انتشار ظاهرة جديدة تتخذ طابعًا تجاريًا في ظاهرها، لكنها في جوهرها أقرب إلى عمليات خداع منظّمة، تستهدف مستهلكين يبحثون عن أسعار مقبولة وجودة مضمونة.
وتتمثّل هذه الظاهرة بصفحات ناشطة على إنستغرام وفيسبوك وتيك توك، تروّج لملابس تزعم أنها تركية الصنع و”بجودة عالية”، مستندة إلى صور جذّابة، وأسعار مغرية، وأعداد كبيرة من المتابعين قد تصل إلى عشرات الآلاف. غير أنّ الواقع، وفق تجارب عدد من الزبائن، يختلف تمامًا عمّا يُعرض على الشاشة.
العنصر الأخطر في هذه الظاهرة لا يقتصر على رداءة البضاعة، بل يكمن في الثقة المصطنعة التي تُبنى عبر أرقام المتابعين. فكثير من هذه الصفحات تظهر وكأنها تحظى بشعبية واسعة، مع أرقام مثل 20 أو 30 ألف متابع، ما يدفع المستخدم العادي إلى الاعتقاد بأن الصفحة موثوقة، وأن هذا العدد لا يمكن أن يكون مضلّلًا.
لكن التدقيق في طبيعة التفاعلات يكشف أن عددًا كبيرًا من هؤلاء المتابعين هم حسابات وهمية أو غير ناشطة (Fake Followers)، ما يجعل الرقم مجرّد أداة خداع بصري ونفسي تُستعمل لدفع الناس إلى الشراء من دون تردّد.
في هذا السياق، نقلت مواطنة لبنانية تجربتها إلى “ليبانون ديبايت” مع إحدى هذه الصفحات. وتقول إنها شاهدت إعلانًا لقطعة ملابس وُصفت بأنها تركية وبجودة عالية، فقرّرت الطلب بعدما لاحظت العدد الكبير من المتابعين والتعليقات التي بدت إيجابية.
وتضيف: “عندما وصلني الطلب، تفاجأت بأن القطعة لا تشبه الصورة إطلاقًا. القماش رديء، الخياطة سيئة، والقياس مختلف تمامًا”. وتتابع أنها تواصلت فورًا مع الصفحة لطلب الاستبدال، فجاءها ردّ صادم.
وبحسب روايتها، أبلغها عامل التوصيل أنّه، في جميع الأحوال، عليها دفع 4 دولارات بدل التوصيل، من دون أي ضمانة باستبدال فعلي. وتقول ان عامل التوصيل قال لها: “أنا بس بقبض ثمن الدليفري، وما خصّني بالاستبدال”.
اللافت أنّ معظم هذه الصفحات لا تعلن بوضوح عن سياسة الاستبدال قبل الشراء، أو تذكرها بخط صغير وملتبس، فيما يُفاجأ الزبون بالشروط بعد تسلّم الطلب. وفي بعض الحالات، يتم تجاهل الشكاوى أو حظر الزبون فور إصراره على حقه.
هذا الأسلوب يندرج ضمن “الخداع التجاري”، لا سيّما عندما يتم الترويج لبضاعة على أنها مستوردة أو ذات منشأ معيّن، كـ”التركي”، من دون أي إثبات فعلي، أو عندما تختلف الصورة المعروضة عن المنتج الحقيقي الذي يصل إلى المستهلك.
وفي ظلّ ضعف الرقابة الرسمية على التجارة الإلكترونية في لبنان، تبقى المسؤولية الكبرى ملقاة على عاتق المستهلك. فالقوانين الناظمة للبيع عبر الإنترنت لا تزال محدودة التطبيق، فيما تستفيد هذه الصفحات من الفوضى الرقمية وصعوبة المحاسبة.
ومع ازدياد الاعتماد على الشراء عبر السوشيال ميديا، تبدو هذه الظاهرة مرشّحة للتوسّع، ما لم تُرفع مستويات الوعي، وما لم تتحرّك الجهات المعنية لضبط هذا النوع من التجارة المضلِّلة.
إلى ذلك الحين، تبقى “الجودة العالية” على بعض الصفحات مجرّد عنوان برّاق، يخفي وراءه واقعًا مختلفًا، يدفع ثمنه مستهلكون وثقوا بصورة… ورقم متابعين غير حقيقي.

