بقلم ليلى حجازي
مرّ عام على تولّي فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون سدّة الرئاسة في مرحلة تُعدّ من أدقّ المراحل التي عرفها لبنان في تاريخه الحديث. عامٌ لم يكن عاديًا في ظروفه، ولا سهلاً في تحدياته، لكنه شكّل بداية لمسار مختلف في مقاربة الحكم، عنوانه الهدوء، والانضباط، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة.
منذ اليوم الأول، بدا واضحًا أن الرئيس جوزاف عون دخل قصر بعبدا بعقلية القائد المؤسسي لا السياسي التقليدي. لم يرفع شعارات فضفاضة، ولم يغرق في الوعود، بل قدّم نموذجًا لرئيس يُدير البلاد بمنطق المسؤولية الوطنية، مستندًا إلى تجربة طويلة في قيادة المؤسسة العسكرية، حيث كان الحفاظ على وحدة البلاد والسلم الأهلي أولوية لا تقبل المساومة.
في عامه الأول، أعاد الرئيس عون إلى رئاسة الجمهورية هيبتها المعنوية، فغابت الشعبوية وحضر الخطاب الهادئ، وغابت المناكفات وحضر منطق الدولة. تميّز أداؤه بالرصانة والوضوح، فشكّل مرجعية جامعة في زمن الانقسام، وحافظ على مسافة واحدة من الجميع، واضعًا المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار سياسي أو فئوي.
من أبرز إيجابيات هذا العهد، إصرار الرئيس على احترام الدستور والمؤسسات، وتعزيز مبدأ الفصل بين السلطات، مع الحرص على تفعيل عملها لا تعطيلها. لم يتدخّل حيث لا يجب التدخّل، ولم يتخلَّ عن دوره حيث تفرض المسؤولية ذلك، ما ساهم في إعادة انتظام نسبي للعمل العام بعد سنوات من الشلل والارتباك.
انطلاقًا من خلفيته العسكرية، أدرك الرئيس عون أن لا إنقاذ اقتصاديًا ولا نهوض سياسيًا من دون حدٍّ أدنى من الاستقرار. فكان دعمه الواضح للمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وتأكيده الدائم على تحييدها عن التجاذبات، عامل طمأنة داخلي وخارجي، ورسالة ثقة بأن الدولة لا تزال قائمة وقادرة على حماية أبنائها.
على الصعيد الخارجي، عمل الرئيس على إعادة وصل ما انقطع بين لبنان ومحيطه العربي والمجتمع الدولي، بلغة احترام متبادل وخطاب سيادي غير استفزازي. لم يقدّم لبنان كدولة متسوّلة، بل كدولة تسعى إلى الشراكة والدعم ضمن إطار الإصلاح واستعادة الثقة، ما أعاد فتح قنوات التواصل وأعاد للبنان موقعه الطبيعي على الخريطة الدبلوماسية.
صحيح أن عامًا واحدًا لا يكفي لمعالجة أزمات متراكمة منذ عقود، لكن الأهم أنّ هذا العام وضع أسسًا مختلفة للحكم: أسس الصدقية، والالتزام، والابتعاد عن الاستعراض. لقد قدّم الرئيس جوزاف عون نموذجًا لرئيس يعمل بصمت، ويؤمن بأن بناء الدولة مسار طويل يبدأ بإعادة الثقة، لا بتسجيل النقاط.
في الذكرى الأولى لعهدِه، يمكن القول إن لبنان أمام فرصة حقيقية: فرصة أن تُدار الدولة بعقل الدولة، وأن يُعاد تعريف القيادة كخدمة لا كسلطة. والرهان اليوم أن تُستكمل هذه المقاربة بثبات، لأن اللبنانيين، بعد سنوات الانهيار، لا يطلبون المعجزات، بل رئيسًا صادقًا وقد وجدوا في جوزاف عون بداية هذا المسار.
