منذ إعلان ما وُصف بـ”الهدنة” عقب التصعيد الكبير الذي شهدته بيروت، بدا واضحاً أن المشهد العسكري في لبنان لم يدخل مرحلة الاستقرار الكامل، بل انتقل إلى نمط مختلف من المواجهة، عنوانه خفض وتيرة الحرب لا إنهاؤها. فالجنوب لا يزال يشتعل بشكل شبه يومي، والضربات الإسرائيلية مستمرة، فيما يواصل حزب الله تنفيذ عمليات عسكرية باتجاه المواقع الإسرائيلية، الأمر الذي يُبقي الحدود الجنوبية في دائرة التوتر المفتوح.
ومع استمرار عمليات القصف والاستهدافات المتبادلة، وازدياد عمليات التهجير والإنذارات التي تطال القرى الجنوبية، ترتفع المخاوف من أن يكون ما يجري مجرد استراحة مؤقتة في الحرب، لا أكثر. وفي هذا السياق، يشرح الخبير العسكري العميد سعيد القزح، عبر “ليبانون ديبايت”، طبيعة المرحلة الحالية، كاشفاً لماذا لا يمكن توصيفها بوقف إطلاق نار حقيقي، وما الذي يمنع الوصول إلى تهدئة شاملة حتى الآن.
رأى القزح، أن “ما أُعلن بعد المجزرة التي شهدتها بيروت لا يمكن اعتباره وقفاً فعلياً لإطلاق النار، بل يندرج أكثر ضمن إطار خفض التصعيد”، مشيراً إلى أن “هذا الواقع شمل بيروت والبقاع بدرجة أكبر من الجنوب، حيث لا تزال العمليات العسكرية مستمرة بين إسرائيل وحزب الله”.
وأوضح القزح أن “الجنوب اللبناني لا يزال يشهد مواجهات متبادلة في المناطق التي يتواجد فيها الجيش الإسرائيلي، لافتاً إلى أن حزب الله يواصل تنفيذ عمليات عبر الصواريخ أو المسيّرات، فيما ترد إسرائيل من خلال قصف القرى المقابلة لمواقع انتشارها، إلى جانب التقدم نحو مناطق جديدة”.
وأشار إلى أن “القوات الإسرائيلية حاولت التوسع في عدد من المناطق، كما حصل في الزوطر الشرقية والزوطر الغربية، وتسعى للوصول إلى مناطق أخرى”، مؤكداً أن أي “إطلاق لصاروخ أو مسيّرة من قبل حزب الله يقابله قصف إسرائيلي يستهدف تدمير مبانٍ وقرى، أحياناً من دون إنذارات مسبقة، إضافة إلى توجيه إنذارات لإخلاء قرى أخرى، ما يؤدي إلى حالة خوف وقلق واسعة بين الأهالي”.
وأكد القزح أن إسرائيل “لن توقف عملياتها في الجنوب طالما أن حزب الله يواصل إطلاق النار باتجاهها”، موضحاً أن “حزب الله يعتبر أن هناك وجوداً إسرائيلياً داخل الأراضي اللبنانية ويقوم بمقاومته، فيما ترى إسرائيل أنها تتعرض لهجمات وترد عليها”.
وأضاف: “كل طرف ينتظر أن يوقف الطرف الآخر إطلاق النار أولاً، لكن إسرائيل لن تقدم على وقف النار طالما لا تزال هناك عمليات أو إطلاقات من قبل حزب الله”.
وشدد القزح على، أن ما يجري منذ 28 تشرين الأول 2023 وحتى اليوم لا يمكن وصفه بوقف إطلاق نار، بل هو “خفض للتصعيد”، موضحاً أن الحرب لم تتوقف بالكامل، بل تراجعت وتيرتها في بعض المراحل وارتفعت في مراحل أخرى.
وقال: إن “المرحلة الحالية، التي بدأت بعد مجزرة بيروت، تشهد تراجعاً نسبياً في مستوى التصعيد، لكن العمليات العسكرية لم تنتهِ، لا سيما في الجنوب اللبناني”.
وفي ما يتعلق بالضربات التي تُنفذ خارج الجنوب، سواء في بيروت أو البقاع أو على الطريق الساحلية، أوضح القزح أنها “باتت تتركز على استهدافات محددة تهدف إلى اغتيال عناصر أو شخصيات مرتبطة بحزب الله أو مجموعات إسلامية في بعلبك، وليست ضمن إطار حرب واسعة أو قصف شامل للمواقع كما كان يحصل قبل إعلان ما سُمّي بـ”الهدنة” أو خفض التصعيد”.

