ذكرت مجلة “Foreign Policy” الأميركية أنه “للمرة الأولى منذ عام 1993، يجري لبنان وإسرائيل محادثات مباشرة؛ لكن السؤال الذي يُلقي بظلاله على جدول أعمالهما في واشنطن يتعلق بطرف لن يكون حاضراً: “حزب الله”. في أيلول الماضي، أطلقت الحكومة اللبنانية خطتها الأكثر طموحًا لنزع سلاح الحزب على الإطلاق؛ وقد حققت بعض النجاحات المبكرة في مصادرة الأسلحة ونشر جنود من الجيش جنوب نهر الليطاني. ثم جاءت الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، ورد “حزب الله” بإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل، والحملة الجوية والبرية الإسرائيلية المدمرة في لبنان، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 2500 شخص وتشريد أكثر من مليون منذ آذار. وعلى رغم وقف إطلاق النار الهش مع إسرائيل، فقد توقفت جهود لبنان لنزع سلاح الحزب”.
وبحسب المجلة: “في الولايات المتحدة وإسرائيل، يتمثل الرد التقليدي على هذا المأزق مع “حزب الله” في تصعيد الضغط: فرض المزيد من العقوبات، وتقديم المزيد من المساعدات المشروطة، وزيادة التصعيد العسكري. لكن هذه المقاربات كلها تستند إلى تشخيص خاطئ، إذ تتعامل مع القضية كأمر يمكن فرضه من الخارج، متجاهلةً الدعم الشعبي المحلي الذي يتطلبه أي نزع سلاح بشكل مستدام. وطالما أن شريحة كبيرة من المواطنين اللبنانيين ترى أن تسليح “حزب الله” ضروري، فإن أي نزع سلاح، سواء كان تفاوضياً أو قسرياً، سيكون مؤقتاً. وفي دراسة حديثة أُنجزت في كانون الأول 2025 ضمن برنامج أبحاث “الأدلة والسياسات والاتجاهات في النزاعات العابرة للحدود” (XCEPT) في كلية كينغز كوليدج لندن، تم إجراء استطلاع شمل عينة تمثيلية على المستوى الوطني تضم أكثر من 2000 مواطن لبناني، بالإضافة إلى حوارات مطولة مع 300 مشارك؛ ووجد الإستطلاع أن 18% فقط من اللبنانيين يُبدون دعمًا سياسيًا لحزب الله، وهو ما يتوافق مع نتائج الانتخابات الأخيرة، لكن ما يقرب من نصفهم، 45%، يعارضون نزع سلاحه. لماذا يوجد الكثير من الناس الذين لا يدعمون “حزب الله” سياسياً ومع ذلك يريدون منه الاحتفاظ بأسلحته؟”
ثلاثة تفسيرات
وتابعت المجلة: “للإجابة عن هذا السؤال، تم اختبار أبرز التفسيرات للدعم الشعبي للحزب ومقارنة كيف اختلف المستجيبون الذين حصلوا على درجات أعلى أو أقل لكل عامل في دعمهم لحزب الله، بعد مراعاة الاختلافات الديموغرافية والإقليمية؛ وقد شكّلت النتائج تحديًا للافتراضات الأساسية حول مسألة نزع السلاح، فالأسباب التي قد تدفع الناس لدعم “حزب الله” سياسيًا، والأسباب التي تدفعهم لمعارضة نزع سلاحه، تنبع من دوافع مختلفة تمامًا، والخلط بينهما يؤدي حتمًا إلى استنتاجات سياسية خاطئة. وفي الواقع، تهيمن ثلاثة تفسيرات على النقاش الدائر حول استمرار “حزب الله”. التفسير الأكثر شيوعًا هو الطائفية، أي الادعاء بأن “حزب الله” قد رسخ نفسه بعمق في الحياة المجتمعية الشيعية لدرجة أن الدعم أصبح مرتبطًا بشكل أساسي بالهوية الدينية والروابط الاجتماعية؛ وقد خلقت عقود من الوجود المؤسسي في المساجد والمدارس والمنظمات المحلية ما يُعرف في الخطاب السياسي العربي بـ”البيئة الحاضنة”. في الواقع، تُظهر البيانات أن الطائفية هي المحرك الرئيسي للولاء السياسي”.
وأضافت المجلة: “ثمة تفسير بارز آخر يشير إلى “حزب الله” كمزود للخدمات، يسد الفراغ الذي خلفته الدولة اللبنانية المختلة. ومع ذلك، وجد الإستطلاع أن المستجيبين من خلفيات اجتماعية واقتصادية متدنية، والذين يتمتعون بشبكات دعم اجتماعي أضعف، كانوا في الواقع أقل ميلاً لدعم الحزب، سياسياً وفي ما يتعلق بنزع السلاح. بل تُظهر البيانات أن دعم “حزب الله” يشمل شرائح واسعة من السكان. ولا يتسم معارضو نزع السلاح عادةً بالاعتماد المادي؛ ومجرد استبدال البنية التحتية الخدمية للحزب، مهما كانت أهميته كهدف سياسي في حد ذاته، لن يُغير الرأي العام تلقائيًا بشأن قضية الأسلحة. وثمة تفسير ثالث يتمحور حول الأمن. لطالما قدم “حزب الله” نفسه باعتباره الرادع الوحيد الموثوق به في لبنان ضد إسرائيل، وهو تصور رسّخه القتال في السنوات الأخيرة؛ وكما أشار أحد المشاركين: “أنا في الجنوب، ولا أرى سوى حزب الله وحركة أمل يدافعان عنه. أين الجيش؟ أين الرئيس؟ أين رئيس الوزراء؟ هل دافع أحد عن الجنوب؟ إنهم لا يريدون الدفاع عنه، بل يكتفون بالكلام فقط”. وأفاد واحد من كل خمسة مشاركين في الاستطلاع بتعرضهم الشديد للحرب والعنف السياسي منذ عام 2023؛ وقال أكثر من نصف المشاركين إنهم يشعرون بتهديد وجودي من إسرائيل. وفي الحقيقة، يلعب هذان العاملان دورًا واضحًا في معارضة نزع السلاح؛ وكان أولئك الذين شعروا بمزيد من التهديد وتعرضوا بشكل أكبر للصراع أكثر ميلًا إلى تأييد احتفاظ “حزب الله” بأسلحته”.
وبحسب المجلة: “لكن العامل الأقوى بكثير في تفسير معارضة نزع السلاح كان شيئاً مختلفاً: المظالم الأخلاقية ضد الحكومة اللبنانية نفسها. كان المواطنون الذين قالوا إنهم فقدوا الثقة في الدولة وشعروا بظلم عميق أكثر عرضة لمعارضة نزع السلاح، بغض النظر عن طائفتهم أو وضعهم الاجتماعي والاقتصادي أو تعرضهم للحرب. وفي الواقع، لم يكن أولئك الذين رفضوا بشكل قاطع فكرة نزع السلاح هم أكثر أنصار حزب الله إخلاصاً، بل أولئك الذين كانوا أكثر اقتناعاً بأن الدولة قد خذلتهم”.
معارضة اللبنانيين إلقاء سلاح “حزب الله”
وتابعت المجلة: “بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، قد يكون نهج السياسة الخارجية القائم على الترغيب والترهيب، والذي يقوم على افتراض إمكانية إضعاف “حزب الله” من خلال استبدال خدماته العامة أو فرض عقوبات عليه عبر ضغوط خارجية، مُوجهاً نحو هدف خاطئ تماماً. وقد يجد الحزب أن الخدمات التي يُقدمها لن تُكسبه دعماً إضافياً يُذكر، والأهم من ذلك هو عجز الدولة عن تقديم الخدمات. مع ذلك، لم يكن فشل الحكومة اللبنانية، رغم كل تحدياتها الداخلية، بمعزل عن الواقع. فعلى مدى سنوات، دمرت الهجمات الإسرائيلية البنية التحتية والمؤسسات التي تحتاجها أي دولة إصلاحية لاستعادة مصداقيتها، وشهدت السنوات الثلاث الماضية تدميراً أو تدهوراً للمدارس والمستشفيات والمباني البلدية وشبكات الحكم المحلي الهشة التي تربط المواطنين بدولتهم، على يد إسرائيل. في الواقع، كل دورة من التدمير تمنح الحكومة ذريعة جاهزة للتقاعس، بينما تعزز في الوقت نفسه الشعور بالظلم وعدم كفاءة الدولة، وهو أقوى دافع لدى اللبنانيين لمعارضة “حزب الله” إلقاء سلاحه. إن العدوان
الإسرائيلي يعيق جهود الحد من تهديد الحزب بشكل مستدام، وهو هدف سياسي رئيسي تتشاركه مع لبنان والولايات المتحدة والمجتمع الدولي”.
وختمت المجلة: “بينما يواصل لبنان وإسرائيل مفاوضاتهما في ظل هدنة هشة، أشار “حزب الله” بالفعل إلى أنه لا يعتبر نفسه ملزمًا بأي نتائج تسفر عنها مفاوضات الدولتين. وسيرى بعض المتشددين في تل أبيب وواشنطن في ذلك دليلاً على أن القوة وحدها كفيلة بحل المسألة، لكن ما يقرب من نصف اللبنانيين الرافضين لنزع السلاح لا يحركهم ما يمكن أن تحققه الضغوط العسكرية أو الاقتصادية. لقد شاهدوا حكومتهم وهي تغرق في أزمات متكررة، وخلصوا إلى أنه لا يمكن الوثوق بدولة منهارة إلى هذا الحد. لن تحل أي عملية عسكرية أو حزمة عقوبات محل الشيء الوحيد الذي قد ينجح فعلاً: رؤية موحدة لدولة لبنانية تستحق نزع سلاحها”.

