ملف شائك ومتشعّب يفرض نفسه بقوة داخل مجلس النواب، حيث يتقدّم قانون العفو العام إلى صدارة النقاشات التشريعية في لحظة دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الإنسانية مع الهواجس الأمنية والقانونية. وبين واقع السجون المكتظّة بآلاف الموقوفين، كثير منهم من دون محاكمة أو بعد تجاوز مدد توقيفهم، وبين التحفّظات المرتبطة بإمكانية شمول العفو جرائم تمسّ الأمن أو المال العام، يتكرّس هذا الملف كواحد من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في الحياة التشريعية اللبنانية.
ورغم وجود تقاطع عام بين القوى السياسية على مبدأ إقرار العفو من حيث الشكل، إلا أن الخلاف يتمحور حول مضمونه وحدوده، في ظل تباين واضح في مقاربات الكتل النيابية. فالنقاشات داخل اللجان المختصة لم تعد محصورة بفكرة العفو بحد ذاتها، بل تمدّدت إلى تفاصيل دقيقة تتعلق بمعايير الشمول والاستثناء، وسط محاولات لرسم توازن دقيق بين البعد الإنساني ومتطلبات العدالة.
في هذا السياق، يقدّم النائب السابق إميل رحمة مقاربة ترتكز على فلسفة العقوبة ودورها الإصلاحي، مؤكداً أن “فلسفة العقوبة يجب أن تقوم على إصلاح المجتمع والفرد، لا على الانتقام من أي طرف”، معتبراً أن أي قانون يتضمّن استثناءات واسعة “لا يساهم في تحقيق الاستقرار الشعبي”.
ويشدّد رحمة على تأييده لصيغة عفو عام شاملة، مع مقاربة خاصة لملفات المخدرات، موضحاً أنه يدعم “عفواً يشمل بعض الجرائم المرتبطة بالمخدرات ضمن المواد 25 و26 و27″، في مقابل تأكيده ضرورة استثناء كل ما يتصل بالاعتداء على هيبة الدولة ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة.
ويضيف أن جوهر الإشكالية لا يكمن في مبدأ العفو بحد ذاته، بل في كيفية صياغته، داعياً إلى “قانون جديد يأخذ في الاعتبار تشديد العقوبات على من يعاود ارتكاب الجرائم بعد العفو”، بحيث تكون العقوبات مضاعفة بحق المكرّرين، بما يحدّ من ظاهرة العودة إلى الجريمة.
كما يلفت إلى “أهمية التدقيق في توصيف الجرائم، خصوصاً في ما يتعلق بملفات الترويج والتسهيل المرتبطة بالمخدرات”، محذّراً من الخلط بين المروّج والمسهّل، أو إدراج حالات بسيطة ضمن خانة الجنايات، مشيراً إلى أن بعض الملفات قد تُبنى على “اتصالات عابرة أو شبهات غير دقيقة”.
وفي ما يتصل بالقضايا المرتبطة بالتعامل مع إسرائيل، يوضح رحمة أن هذه الجرائم “محسومة قانونياً” لكونها تمسّ الأمن القومي، إلا أنه يدعو في الوقت نفسه إلى الدقة في التوصيف وعدم التوسّع غير المدروس في تطبيق الأحكام، لا سيما في الحالات التي قد تكون ملتبسة أو غير مثبتة بشكل كافٍ.
وبين مقاربتين متوازيتين، قانونية صارمة وإنسانية ضاغطة، يبقى قانون العفو العام في دائرة التجاذب السياسي والتشريعي، بانتظار صيغة متكاملة قادرة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات العدالة وحاجات المجتمع، في بلد يرزح تحت عبء أزمة سجون مزمنة وتحديات قانونية متراكمة.

