كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
هل نحن أمام حل أم إعادة صياغة للصراع؟
في خضم التصعيد والهدن الهشّة، يبرز تصريح Donald Trump حول “تحويل لبنان إلى منطقة اقتصادية” كفكرة لافتة في ظاهرها، لكنها تفتح في العمق أسئلة أكبر بكثير من إطارها الاقتصادي. فلبنان، في هذه اللحظة المفصلية، لا يبحث فقط عن استثمارات أو إعادة إعمار، بل عن صيغة توازن تحمي أرضه وتُعيد تعريف موقعه في معادلة إقليمية معقّدة.
المقاربة الاقتصادية، بهذا المعنى، تبدو كمدخل ناعم لملف شديد الصلابة: الأمن، السيادة، وترتيبات ما بعد النار. إذ يصعب فصل أي مشروع اقتصادي واسع عن البيئة التي سيُقام فيها. فالاستثمار يحتاج إلى استقرار، والاستقرار يحتاج إلى تفاهمات، وهذه بدورها لا تُبنى إلا على توازنات دقيقة تتجاوز الداخل اللبناني لتلامس مصالح قوى إقليمية مثل Iran وIsrael، وبرعاية أو ضغط من المجتمع الدولي عبر مؤسسات كـ United Nations.
من هنا، لا يمكن قراءة فكرة “المنطقة الاقتصادية” كخطة تقنية معزولة، بل كجزء من سياق تفاوضي أوسع. فهي، في أحد أوجهها، قد تعبّر عن محاولة لربط الاقتصاد بالأمن: استثمارات مقابل تهدئة، وإعادة إعمار مقابل ترتيبات ميدانية أكثر صرامة. وفي وجه آخر، قد تكون مجرّد أداة ضغط دبلوماسية، تُستخدم لدفع الأطراف نحو تنازلات غير ممكنة عبر الوسائل التقليدية.
لكن التحدي لا يكمن فقط في الخارج. في الداخل اللبناني، تتعقّد الصورة أكثر. أي طرح لا يحظى بحد أدنى من التوافق الوطني يصعب أن يتحوّل إلى واقع، خصوصًا إذا فُهم على أنه يمسّ بالسيادة أو يعيد رسم خرائط النفوذ بطريقة غير متوازنة. لذلك، فإن أي حديث عن “خطوط” جغرافية أو مناطق محددة سواء وصلت إلى الزهراني أو بقيت في إطار نظري يبقى بلا قيمة فعلية ما لم يمر عبر المؤسسات الشرعية ويستند إلى غطاء قانوني دولي واضح.
أما في ما يتعلّق بوقف إطلاق النار، فهو حتى الآن أقرب إلى هدنة منه إلى تسوية. هدنة تحكمها ضرورات اللحظة لا قناعات الحل، وتبقى قابلة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني. فغياب اتفاق شامل يعني أن جذور التوتر لا تزال قائمة، وأن أي هدوء هو مؤقت بطبيعته.
وفي موازاة ذلك، تبدو المفاوضات إن استمرّت متجهة نحو تحقيق نتائج جزئية لا نهائية: تثبيت نسبي للتهدئة، وربما تفاهمات محدودة حول الحدود أو الإجراءات الأمنية، دون الوصول إلى حل جذري ينهي حالة الصراع. وهذا النمط من “الحلول المرحلية” قد يخفف من حدّة المواجهة، لكنه لا يُنهيها، بل يعيد تنظيمها ضمن قواعد جديدة.
في المحصلة، لا يبدو أن لبنان يقف اليوم على عتبة تحوّل اقتصادي بقدر ما يقف أمام محاولة لإعادة صياغة دوره ووظيفته في المنطقة. بين طموح الاستثمار وواقع التوازنات، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل يمكن للاقتصاد أن يسبق السياسة؟ أم أن السياسة ستظل الإطار الذي يحدّد ما هو ممكن اقتصاديًا؟
ربما الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن ما يُطرح اليوم ليس نهاية للصراع، بل محاولة لإدارته بشكل مختلف حيث تصبح المشاريع الاقتصادية جزءًا من أدوات التفاوض، لا بديلاً عنه. وفي بلد كلبنان، حيث تتداخل الجغرافيا بالسياسة، يبقى أي مسار مستقبلي مرهونًا بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة: استقرار يحمي الروح، وسيادة لا تُختزل، وتوازن لا يتحوّل إلى مجرد هدنة طويلة.

